قطاع غزة، تلك الأرض الساحلية الضيقة المحشورة بين المتوسط والصحراء، تحمل بين جنباتها ثقلاً يفوق مساحتها بأضعاف. ما بين الأنهار الحدودية الرمزية والبوابات الحديدية الواقية، تكتب هذه المنطقة أقدار ملايين البشر الذين حَملت أقدامهم غبار الحروب وطلقات القناصة وجدران الحصار عبر أجيال.
عبر بحار الزمن، شهدت غزة تناوب الحكم بين سلاطين وحملات وغزاة، بدءاً من عصر الإمبراطورية العثمانية التي ضمتها لأكثر من أربعة قرون، وصولاً إلى الانتداب البريطاني الذي رسم الفصل الأول من القصة الحديثة. لكن صفحة اليوم تشكلت بعد حرب عام 1948، عندما صارت البوابة الجنوبية الصغيرة لوطن متناثر. هنا جعلته قرارات التقسيم والخط الأخضر نقطة متأرجحة بين البقاء والاغتراب.
التركيبة السكانية لغزة تحكي قصة أخرى لجمهوريات اللجوء. فثلاث أرباع سكان القطاع اليوم هم لاجئو عام 1948 وأحفادهم، نسجوا مجتمعاً بتركيبته الخاصة وفق هوية منسوجة من البقاء في أضيق المستوطنات البشرية المعاصرة: حيث لا يتجاوز رقعة الأرض المنبسطة المستوية 365 كيلومتراً مربعاً، يعيش عليها أكثر من مليوني نفس تحت شمس حارقة يمكن أن تكسر أرقام الكثافة السكانية العالمية.
منذ ستة عقود شهد القطاع عصراً فريداً تحت الإدارة الإدارية لمصر، تطور من خلاله نظامه التعليمي والخدمي خصوصاً في الخمسينات والستينات، ولكن دون استقلال سياسي كامل. التحول الكبير جاء عام 1967، حين وضعت إسرائيل يداً أطول ومكافحة على الأرض، فتشكل نظام جديد للحرمان من الحدود وإدارة الحياة اليومية عبر البوابات الإلكترونية والرخصة والإذن. هنا بدأ معنى غزة كسجنٍ مفتوحٍ على البحر والسماء يتجلى.
يوم تسلمت السلطة الفلسطينية زمام أمور قطاع غزة بعد تأسيس السلطة الفلسطينية عام 1994، أشعل ذلك شرارة أمل خفيفة. ولكن الوقائع المعقدة قادت إلى نمو حركات مقاومة واستقطاب سياسي متزايد، انتهت بانقسام السلطات بين الضفتين مجدداً، بما في ذلك الوجود الفعلي والقانوني لحركة حماس في طرف مقابل السلطة الفلسطينية المتمركزة في الضفة الغربية. واقع يؤدي اليوم إلى مأساة تنظيمات تخدم الشعب نفسه بينما لا تتعاون بمنظومة حكم موحدة!
تحت منظومة الحكم القائمة وتحكمات الاحتلال، تتواتر مشاهد الحياة اليومية في غزة كتحديات إنسانية ماثلة: جزر الكهرباء التي لا تزيد عن ست ساعات يومياً، نقص مياه الشرب النظيفة في أكثر من معزل، أطنان من النفايات التي تتراكم في الشوارع عند الحدود حين تنغلق الجادة الرئيسية، وموانئ صيد يهددها حظر التجول البحري. كلها تروي حكاية الأرض التي تنزف أمام عالم لا يعي حجم الثمن المُدفع كل لحظة تطفو فيها مسألة الهواء النقي والدفء المنزلي كرفاهية بعيدة المنال.
استمرار المشهد على هذا النحو يضع المنطقة على شفير خريطة العالم ككل، فمن غزة أيضاً ينبع صوت متجدّد للحلم الفلسطيني، صوت مزيج بين الرفض والتحدي والتماسك الراسخ. لذا ظلت غزة كذكرى إنسانية مشتعلة في الحرب والسلام، نجمة توجع العالم العربي قبل أن تكون حلاً، وجرحاً دائماً مفتوحاً في قلب الشرق الأوسط العصي على الشفاء.
قطاع غزة: نقطة الالتقاء الجيوسياسي الإنسانية والأكثر سخونة في العالم العربي
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/5j6o38km