حين يقف المراقب أمام المشهد السياسي المصري خلال العقد الماضي، يصعب عليه تجاهل اسم واحد تكرر في عناوين الأخبار أكثر من أي اسم آخر: عبد الفتاح السيسي. فالرجل لم يصل إلى موقع صناعة القرار في أكبر دولة عربية من حيث السكان عبر مسار تقليدي معتاد، بل عبر سلسلة من التحولات المتسارعة التي مزجت بين المؤسسة العسكرية والشارع السياسي بطريقة لم تكن مألوفة في تاريخ مصر الحديث.
المسار الذي لا يشبه غيره
وُلد عبد الفتاح سعيد حسين خليل السيسي في نوفمبر ١٩٥٤ في حي الجملية بالقاهرة. ينحدر من عائلة من الأشراف، وهي خلفية أشار إليها هو نفسه في أكثر من مناسبة. لكن ما حدّد مساره المهني لم يكن النسب بقدر ما كان الالتحاق بالكلية الحربية عام ١٩٧٧، حيث اختار سلاح المشاة وتخصص في الحرب الإلكترونية لاحقاً.
خدم السيسي في أرض سيناء خلال فترة كان فيها وجود الجانب الإسرائيلي ما زال قائماً، وهي تجربة لا يمكن الاستهانة بتأثيرها على تشكيل وعي ضابط في تلك المرحلة. ثم تدرّج في المناصب داخل المؤسسة العسكرية، وخدم في السفارة المصرية بالسعودية ملحقاً عسكرياً، وهي محطة مهمة في فهم علاقته لاحقاً مع الرياض.
ما يلفت الانتباه في سيرته الذاتية أنه أمضى فترة تدريبية في الولايات المتحدة في كلية القيادة والأركان المشتركة، وفي كلية الحرب العليا ببارك كارليون. هذه المحطات ليست استثنائية لضباط الصف الأول في الجيش المصري، لكنها مهمة لأنها تضع السيسي ضمن جيل من الضباط الذين تعاملوا مع المنظومة العسكرية الأمريكية عن قرب، وهو ما يفسر جزءاً من فهلهفهم لطبيعة العلاقة مع واشنطن لاحقاً.
لحظة الثلاثين من يونيو
الفصل الأكثر تحديداً في مسار السيسي نحو الرئاسة حدث صيف ٢٠١٣. بعد عام واحد من حكم محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر وأول رئيس من جماعة الإخوان المسلمين، تراكم استياء واسع في الشارع. حركة تمرد جمعت ملايين التوقيعات للمطالبة بانتخابات مبكرة، وفي الثلاثين من يونيو خرجت مظاهرات حاشدة.
كان السيسي آنذاك وزيراً للدفاع وقائداً للجيش، عيّنه مرسي نفسه في أغسطس ٢٠١٢ خلفاً للمشير محمد حسين طنطاوي الذي أُحيل إلى التقاعد. بحلول يوليو ٢٠١٣، أصدر السيسي إنذاراً مدته ٤٨ ساعة للحل السياسي، وعندما لم يتحقق، أعلن الإطاحة بمرسي وتعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا عدلي منصور رئيساً مؤقتاً.
هذه اللحظة لا تزال موضع جدل حاد. من يناصرها يرى فيها استجابة لإرادة شعبية ساحقة وتصحيحاً لمسار كاد ينحرف نحو حكم أحزبي ضيق. ومن يعارضها يعتبرها انقلاباً عسكرياً أطاح بشرعية ديمقراطية وفتح الباب لاستبعاد تيار سياسي واسع من الحياة العامة. لا يمكن فهم السيسي بمعزل عن هذا الجدل، لأن رئاسته بأكملها تأسست على هذه اللحظة وما تلاها.
الطريق إلى الرئاسة
بعد إزاحة مرسي، شهدت مصر فترة انتقالية قصيرة أعقبها ترشح السيسي للرئاسة. استقال من منصبه العسكري في مارس ٢٠١٤، بعد أن كان قد رُقي إلى رتبة المشير. خاض الانتخابات ضد حمدين صباحي، السياسي اليساري المخضرم، وفاز بنسبة تجاوزت ٩٦٪ من الأصوات.
هذه النسبة العالية، رغم ما أحاط بها من انتقادات تتعلق بغياب منافسة حقيقية وانحسار المشهد السياسي، عكست أيضاً حالة من التأييد الشعبي الواسع في تلك المرحلة. شريحة كبيرة من المصريين كانت تبحث عن الاستقرار بعد سنوات من الاضطراب، ورأت في شخصية عسكرية صارمة ضماناً ضد الفوضى.
أُعيد انتخابه في ٢٠١٨ بنسبة مماثلة، وفي ديسمبر ٢٠٢٣ فاز بولاية ثالثة بعد تعديل دستوري سمح بذلك. كل انتخابات رئاسية في عصره جرت في ظرف سياسي اتسم بتضييق المساحة العامة ومنافسين أبرز هم في السجون أو خارج المعادلة، وهو ما يجعل قراءة شعبية الحكم قراءة معقدة.
أسلوب الحكم والمشاريع الكبرى
من يمضي في مصر اليوم يرى مدناً جديدة تُبنى في الصحراء، طرقاً سريعة تربط أطراف البلاد، ومشروعاً ضخماً للعاصمة الإدارية الجديدة على بُعد سبعين كيلومتراً شرق القاهرة. هذه المشاريع، التي يصفها المؤيدون بأنها طموح تنموي يضع مصر على خريطة الدول الكبرى، ويصفها المنتقدون بأنها استثمار في الواجهة بينما الدين العام يتصاعد والجنيه ينهار، تشكل العلامة الأبرز لحقبة السيسي.
السيسي يدير البلاد بطريقة يمكن وصفها بالتكنوقراطية العسكرية. أي أنه يعتمد على مهندسين وضباط وخبراء لتنفيذ رؤيته، ويمنح الأولوية للمشاريع البنيوية الكبرى. طريق القاهرة الجديدة، تفريغ المياه الجوفية تحت أبي الهول، أنفاق السويس الجديدة، محطة الضبعة النووية المزمعة، توسعة قناة السويس: كلها عناوين في قائمة طويلة.
لكن السؤال الذي يطرحه كثيرون هو: لمن؟ المشروعات الكبرى تنفذ، لكن قيمة الجنيه المصري تراجعت بشدة أمام الدولار، والدين الخارجي تجاوز المائة مليار دولار، ووفقاً لتقارير دولية، يعيش نسبة كبيرة من السكان قرب خط الفقر. هذا التباين بين الواجهة الكبرى والمعيشة اليومية هو جوهر الانتقاد الموجه لسياسة السيسي الاقتصادية.
أما على صعيد الحقوق والحريات، فالصورة أكثر قتامة من زاوية النقاد. تنظيمات حقوقية مصرية ودولية، بما فيها هيومن رايتس ووتش وأمنستي، وثّقت حالات احتجاز واسعة، اختفاء قسري، تعذيب في السجون، وتقييداً صارماً لحرية التعبير والاجتماع. قانون الطوارئ، رغم رفعه رسمياً، ترك أثراً مستمراً في الممارسة. الإخوان المسلمون أُعلنت جماعة إرهابية، وقياداتها بين سجين وهارب، لكن الملاحقة لم تقتصر عليهم، بل شملت ليبراليين ويساريين وقوميين، حتى ممن شاركوا في الثورة ضد مرسي.
السياسة الخارجية: توازنات دقيقة
في السياسة الخارجية، يبدو السيسي أكثر براغماتية. علاقته بالسعودية قوية، وارتبط بدعم خليجي مالي ضخم في سنواته الأولى. علاقته بالإمارات وثيقة، وارتبط بمحور يضم أيضاً البحرين. مع قطر، شهدت العلاقة قطيعة دامت سنوات قبل أن تنتهي بالمصالحة في ٢٠٢١.
مع إسرائيل، حافظ السيسي على علاقة أمنية وثيقة ورثها من حقبة مبارك وطوّرها. التنسيق في سيناء وعلى الحدود، والتعاون في ملف غزة، كلها عناصر أساسية. هذا التعاون ينتقده كثيرون في الشارع العربي، لكن السيسي يرى فيه ضماناً للأمن القومي المصري.
مع الولايات المتحدة، العلاقة متينة عسكرياً وتتسم بتعقيد سياسي. المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر مستمرة، رغم تعليق بعضها في لحظات توتر. مع روسيا، طوّر السيسي علاقة أعمق، التقى بوتين مراراً، وشارك مصر في مناورات عسكرية روسية. مع الصين، فتح أبواب الاستثمار ووقع مشروعات بنية تحتية في إطار مبادرة الحزام والطريق.
هذا التنويع في الشراكات يعكس رؤية: مصر تحت السيسي لا تضع كل بيضها في سلة واحدة، وتبحث عن مصالحها أينما وجدت، دون انحياز أيديولوجي صريح.
السؤال الأصعب
ما يصعب الإجابة عنه بدقة هو: ماذا سيبقى من حقبة السيسي بعد أن ينتهي؟ المشروعات الكبرى ستظل قائمة، شاهدة على حقبة ولو لم تثمر اقتصادياً كما يُرجى. لكن الإرث السياسي أكثر تعقيداً.
السيسي أعاد مصر إلى نمط حكم شبه رئاسي صارم، يقترب في بعض جوانبه من نمط مبارك، ويتجاوزه في جوانب أخرى من حيث التضييق على الفضاء العام. في الوقت ذاته، أزال تقريباً الإخوان المسلمين من المشهد، وأعاد المؤسسة العسكرية إلى مركز الصدارة في إدارة شؤون البلاد.
سؤال ما بعد السيسي، أي الإرث الذي سيتشكل بعد ولايته الثالثة، يبقى مفتوحاً. فالأنظمة التي تُبنى على شخص واحد تواجه دائماً معضلة الانتقال، والتاريخ يعلمنا أن الاستقرار الذي يبدو راسخاً قد يكون هشاً أكثر مما يظن صانعوه.
ما يمكن قوله بثقة هو أن عبد الفتاح السيسي، بصرف الدين عن موقف المرء منه، أحدث تحولاً عميقاً في مسار مصر خلال العقد الماضي. فهمه يتطلب أن ننظر إليه لا كبطل أو شرير، بل كقائد جاء من رحم مؤسسة، استجاب لحظة، وأدار بلداً يبحث عن ذاته في زمن عربي مضطرب.