تمرّ علينا أخبارٌ من بعيد، عن زنزاناتٍ سرّية وغرفٍ معتمة، فنمضي في يومنا دون أن ندرك أن فكرة التعذيب لا تقتصر على السجون. هي أولاً فكرةٌ عن العلاقة بين من يملك قدرة إحداث الأذى ومن يُفترض أنه لا يملك دفاعاً. في هذا المعنى، تتسرب التعذيب إلى حياتنا اليومية بأشكالٍ أقل دموية، لكنها تحمل ذات المنطق: استخدام الألم – الجسدي أو النفسي – لانتزاع شيءٍ لا يُمكن الحصول عليه بالحوار.
أذكر مقابلةً مطوّلة أُجريت مع محامية تعمل في قضايا اللجوء، تحدثت عن لاجئٍ وصل إلى أوروبا بعد أشهرٍ من الاعتقال في بلده. لم يكن جسده يحمل آثاراً بالغة، لكنه كان غير قادرٍ على النوم إلا إذا أطفأ كل الأنوار وأغلق الباب بمفاتيحَ معدنية ثقيلة. قالت المحامية إن أصعب جزءٍ في التحقيق ليس سرد ما حدث في الزنزانة، بل إثبات أن “الصوت المرتفع لإغلاق الباب” هو أداة تعذيب. المحكمة تعرف الأصفاد والصدمات الكهربائية، لكنها تتردد في تصنيف الأصوات والإضاءة كأساليبٍ للإيذاء المتعمّد.
يُظهر هذا الفهم الضيق لأداة التعذيب جانباً من المشكلة: نحن نتصورها صوراً مُرعبة من أفلام الحرب، بينما تتكيف أدواتها مع كل مجتمعٍ بما يتوفر لديه. في بعض البيوت، يكون التعذيب صوت صراخٍ مستمر؛ في مدارس معينة، يكون حرمان الطفل من دخول الحمام حتى يبكي. الألم لا يُقاس بالدم فقط، بل بقدرة من يتحكم في مواردك الأساسية على تركك في رهبةٍ دائمة.
التاريخ يقدم أمثلةً لا تُحصى. في سجون الاستعمار الفرنسي بالجزائر، كان الضباط يستعملون “الغرفة البيضاء”: زنزانة مُضاءة باستمرار، مُبلطة بالكامل، لا يُسمح فيها بالكلام أو النوم العميق. كان الهدف ليس استخراج معلومة، بل إعادة برمجة إيقاع الجسد وذاكرة الضمير. عندما يُفقد الإنسان القدرة على معرفة الوقت أو الاتجاه، يبدأ في تقديم اعترافاتٍ لا يريدها حتى جلاده. هذه ليست أسطورة، بل تقارير رسمية نُشرت لاحقاً في مذكرات ضباطٍ تكلّفوا بتنفيذها.
أمام هذا الواقع، يظهر سؤالٌ غير مريح: لماذا نعود، كمجتمعات، إلى استخدام التعذيب رغم كل المواثيق؟ الإجابة ليست في “الهمجية” أو “الانحطاط الأخلاقي”، بل في حساباتٍ سياسية بسيطة: التعذيب يُظهر للناس أن الدولة قادرة على تجاوز كل الحدود، وهذا التجاوز يُخلق رعباً أرخص من بناء عدالةٍ فعالة. في بلدٍ يعجز فيه القضاء عن حماية مواطنيه من الاعتقال التعسفي، تصبح غرف التحقيق بديلاً عن المحاكم.
لكن هناك أيضاً وجهاً آخر: مقاومة فكرة التعذيب لا تبدأ فقط في الشوارع أو المحاكم، بل في لحظةٍ يختار فيها أحدهم عدم إيذاء من هو تحت سلطته. أتذكر جاراً مسناً كان يعمل سجاناً في سجنٍ كبير، تقاعد قبل عشرين عاماً. حين سألته ذات مرةً عن أصعب لحظةٍ في عمله، قال إنها لم تكن عندما رفض أمراً صريحاً بالضرب، بل عندما أخفى سجيناً في مخزن الأدوية ليلةً كاملة حتى لا يُسلّمه لزملاءٍ كانوا يستعدون لـ”تعليمه درساً”. لم يكن هذا السجان بطلاً في آنذاك، بل رجلاً خائفاً ساعده الخوف على تذكّر أن الإنسان الذي أمامه قد يكون هو في يومٍ آخر.
الآن، عندما تُعرض أفلامٌ تبرر التعذيب باسم “توقف القنبلة” أو “إنقاذ رهائن”، يُعاد إنتاج نفس المنطق: الألم كفاءةٌ عالية. لكن كل الدراسات التي راجعت آلاف حالات التحقيق تُظهر عكس ذلك تماماً: الإنسان تحت التعذيب يقول ما يريد المحقق سماعه، لا ما يُفترض أنه الحقيقة. أكثر من ذلك، يُصبح المجتمع الذي يُشرّع التعذيب غير قادرٍ لاحقاً على إيقاف تمدده. اليوم هو “الإرهابي”، غداً هو “المتظاهر”، وبعد غد هو “الصحافي”.
لذلك، لا يكفي أن ندين التعذيب كجريمةٍ فردية، بل علينا أن نكشف عن الجذر: هو فكرةٌ عن السلطة تُعلّم صاحبها أن قوّته تُقاس بقدرته على إلحاق الأذى. ما دامت هذه الفكرة حيّة، فإن الغرف المظلمة ستتكاثر، حتى لو غيّرت أسماءها أو أدواتها. المعركة ليست فقط لإغلاق الزنازين، بل لإغلاق الفكرة نفسها.
عندما يصبح الألم وسيلةً للسلطة
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/nl3o0yqg