في برحاء أحد الملاعب الدمشقية، صعدت الجماهير في نهاية المباراة وارتفع الهتاف المرحلي الممزوج بالإحباط: "يا من هدر علينا.. الكورة لا تدور!". كانت عبارة تهكمية تلخص الحرب اللسانية التي خاضها المشجعون بسبب ما رأوا أنه هروب سماعي النادي من التزاماته. لكنها أيضا دفعتني للتفكير بسؤال محوري: لماذا تختار شعوب في رقعة واسعة من الأرض كلمة "كرة" للتعبير عن لعبة مركبة لها اسم آخر في بقية العالم؟ وماذا يكشف ذلك عن العلاقة بين اللعبة والهوية الجمعية؟
هذا المبدأ الناطق – "الكورة" – الذي يستبدل كلمة "football" في أوروبا وأمريكا هي أكثر من تبادل لفظ بين اللغات. في شخصيتها، تحمل الكرة في سموها من المجتمع العربي صفة هي المرجعية الحياتية الشبابية وصورة التعايش والتكاتف. فالكرة، في صفتها الكيانية، تجمع الشباب الأسبوعي في الميادين والساحات. وظيفتها الاجتماعية الاجتماعية قبل أن تكون تنافسية رياضية بل في الإصلاح والعلاقات القومية.
الكورة في المشرق العربي تنتمي لكل طبقات المجتمع بلا شعارات واجهات ورسميات متصارعة. نراها جهد شبه مجاني للاعبين الهواة في المناطق المهملة، ونراها مشروعات المليارديرات في الخليج، لكن في كلتا الحالتين، تلقي الكرة إلى القلب هو الذي ينتصر، وليس المؤسسة التي دعمت الإنجاز. وهذا العمل الحركي الشديد للعبة هو الذي جعلها موازنا الجمعي الذي يربط بين مختلف الفئات الثقافية والاقتصادية بشكل عفوي وغير مسيس.
في مواسم الكأس الخليجي، الخلافات البوروتوكولية بين الدول تجد في التواصل الدولي عبر قنوات "الكورة" صمام أمان للتعايش الثقافي. في مصر والمغرب، نجد أن المسيرين الصغيرة ونوادي الربع الضفة الأمامية – غير المجهزة بالتقنية الحديثة – هي الحاضنة الأبرز للنشاط الترفيهي بين الشباب على مدى الحياة العادية للفرد، وليس الحضرية الرياضية المهنية الأكثر تكلفة.
دراسات مركزية متسقة ضمن مطلع القرن الحالي تعكس أن معدل المشاركة في كرة القدم غير الاحترافية في مصر وقع بين 40%-60% بين الذكور المراهقين والشباب، وهي ظاهرة لا تنعكس بهذا الشكل إلا في الثقافات التي تخترق الرياضة نسيجها اليومي.
عندما اختارت التسميات العربية الخالصة "الكورة" للإشارة إلى هذه الرياضة الجماعية، قرأت اللعبة الصامتة على ثقافة بصرية عاطفية أكثر من عضلات لاتفياتية ممرنة. لغة العربي لا تمجد القدم English-Style بأدوات Mascots الجاهزة مثل "football"، بل تذكر الدوائر المتفاعلة في الساحة، "الكرة" نفسها، المكتنزة بالقيم التدويرية العدلية المتكافئة بين اللاعبين. وهذا الاختيار اللغوي البديهي غير المدون يكشف عن تفهم شعبي للرياضة كوسيلة لتحقيق التوازن الخفيف بين الخصومة والمشاركة في المجتمع، أكثر منه كوثائق إدارية نمطية.
في النهاية، عندما هتف الدمشقيون عامرة الملاعب بـ "الكورة ما تدور"، كانوا غير مصرّين على حراز الجدية الرسمية لمصلحة محلية العين التي ترى في كلمتهم العرفية للعبة النسيم العازل بين الاستقرار وتقلبات العلاقة مع المؤسسات الكبيرة. فـ "الكورة" عباءة عربية نفسية تحمل حوارات ثلاثية الأبعاد: إدارة المؤسسات – اللاعب الموهول بحفظ بقالته – الجمهور. وهي ستظل تُدور في نفسيات متابعيها قبل أن تتبع قوانين الدوران الفيزيائي العلمي المعاصر، لأنها أولا.. ثم ثانيا… أمة واحدة.
كرة في اللغة، شغف في الميدان: لماذا تعتبر "الكورة" في قلوب العرب أكثر من مجرد رياضة
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/5j6ol80f