في مساءات الأربعاء الباردة، تتحول أضواء مدينة الملك عبدالله الرياضية إلى لوحةٍ من اللونين الأخضر والأبيض. الجماهير تتوافد منذ الرابعة عصراً، رغم أن صافرة البداية لن تُطلق قبل السابعة. أحدُهم يحمل علماً يمتدُّ طوله ثلاثة أمتار، مكتوبٌ عليه بخط يدوٍ مرتجف: «نحن من نكتب النهاية». يبتسم رجلٌ عجوز بجانبه، ثم يهمس: «كل مباراة ضد الحزم تُذكّرني بأن كرة القدم لا تزال تُشبه الحياة القديمة».
الأهلي، النادي الذي اعتاد لاعبوه سماع صيحات «يا مُجدد الأمجاد» قبل أن يمسكوا الكرة، يواجه الحزم الذي لا يُعرف كثيراً خارج حدود الرس. لكن داخل الملعب، يبدو الأمر مختلفاً. الحزم يأتي من مدينةٍ صغيرة، لكنه يحمل ذاكرةً طويلة من المفاجآت. في آخر خمس مواجهات، فاز الأهلي ثلاث مرات، وتعادلا مرتين. الأرقام تبدو مريحة للأهلي، لكن من حضر المباريات يعرف أن الراحة كانت دائماً نسبية.
قبل أسبوع من اللقاء، جلس مدرب الأهلي في مؤتمرٍ صحفي يُسأل عن «خطته للحزم». أجاب بابتسامةٍ مرهفة: «نخطط لكرة قدم، لا لاسم». كانت إجابته تُخفي قلقاً. الحزم هذا الموسم لعب بثلاثة مدافعين ومحورين، وضغط مبكراً على كل من حمل الكرة. أسلوبٌ يُذكّر بفرقٍ أوروبية صغيرة تُعاني من ضعف الموارد لكنها تُعوّض بالانضباط.
في المدرجات، تُصغي الجماهير إلى إذاعةٍ محلية تصف التشكيلة. اسم روبيرت فيريرا يُذاع في التشكيل الأساسي للأهلي، فيحدث هديرٌ خافت. فيريرا ليس مجرد لاعب؛ هو قصةٌ منسية عادت. قبل ثلاث سنوات، كان على وشك الرحيل، ثم أحرز هدفاً في الدقيقة 95 ضد الحزم نفسه. اليوم، يعود ليُثبت أن بعض العلاقات لا تنتهي.
أول ربع ساعة يمرُّ كما توقع المُحللون: الأهلي يسيطر، والحزم يتراجع. لكن في الدقيقة 18، تسديدةٌ من خارج الصندوق تصطدم بالعارضة. يصمت الملعب، ثم يُطلق الجمهور صيحةً واحدة: «هذه ليست مجرد عارضة!» الجميع يعرف أن الحزم إذا أحرز أولاً، يُصبح شبيهاً بالفريق الذي لا يستسلم.
في الشوط الثاني، يُغيّر مدرب الحزم طريقته. ينزل لاعبٌ وسط مدافع ويُشرك مهاجماً ثانياً. المباراة تتحول إلى سجالٍ مفتوح. الأهلي يضغط، والحزم يُرتدّ. في الدقيقة 67، كرة عرضية تصل إلى فيريرا، يُسدّدها برأسه. ترتطم بالأرض وتُخدع الحارس. 1-0. يصرخ المعلق: «الأهلي يؤمن بالتفاصيل الصغيرة».
لكن القصة لم تنتهِ. في الوقت بدل الضائع، ركلة حرة مباشرة للحزم من حوالي 25 متراً. اللاعب المُرسل للتنفيذ يُحدّق في الحارس، ثم يُسدد. الكرة تعلو قليلاً، ثم تهبط فجأةً خلف الحائط البشري. 1-1. لا أحد يتحرك في المدرجات لثوانٍ. ثم يُنهض طفلٌ صغير، يمسك بيد والده، ويسأل: «هل التعادل يعني أننا لم نكسب؟» يُجيب الأب: «أحياناً التعادل يُعلّمنا أن الفوز ليس دائماً هو المطلوب».
بعد المباراة، يقف مدرب الحزم أمام الصحفيين. سؤالٌ يُطرح عن «الإنجاز»، فيُجيب بهدوء: «لم نُنجز شيئاً. لقد لعبنا كرة قدم جيدة، هذا كل ما في الأمر». تبدو الإجابة صادقة. في عالمٍ يُقيم النجاح بالبطولات، يبدو الحزم كمن يُذكّرنا بأن كرة القدم لعبةٌ قبل كل شيء.
في طريق العودة، يتوقف مشجعٌ أهلاوي عند إشارةٍ حمراء. بجانبه سيارةٌ تحمل علم الحزم. يُنزل الزجاج، فيُلقي الأهلاوي التحية: «مباراة قوية». يبتسم مشجع الحزم: «الأهلي دائماً يُعلّمنا أين نحن». ينطلق الضوء الأخضر، ويختفي كلٌ في طريقه.
بين الأهلي والحزم، لا يوجد عداوة تاريخية، ولا صراع ألقاب. لكن هناك شيءٌ أعمق: ذكرى أن كرة القدم لا تُقاس دائماً بالانتصارات، بل باللحظات التي تجعلنا نتساءل: «لماذا نُحب هذه اللعبة أصلاً؟»
عندما يلتقي الأهلي بالحزم، يحدث شيء غريب في جدة
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/5j6o3mfp