تمرُّ الكرة على أرضية ملعب مدينة الأمير سلطان بن عبدالعزيز الرياضية، وفي المدرجات أصوات لا تخفت أبداً. هنا في أبها، حيث تتقاطع سحب الجبال مع شغف لا يتقادم، يمثل النادي أكثر من مجرد فريق كرة قدم. إنه تجسيد لحكاية منطقة ظلت طويلاً على هامش الاهتمام الرياضي السعودي.
في موسم 2019-2020، عندما حقق نادي أبها الصعود إلى دوري المحترفين السعودي بعد غياب دام ثلاثة عقود، لم يكن الاحتفال مجرد فرح بانتصار رياضي. كانت لحظة استعادة لهوية ظلت مهمشة في خضم هيمنة أندية المدن الكبرى. الجماهير التي ملأت شوارع المدينة لم تكن تحتفل بنقاط في جدول الترتيب، بل بإثبات وجود.
هوية الجبل والتحدي الدائم
ما يميز نادي أبها حقيقةً ليس تاريخه الحافل بالألقاب - فهو لم يحرز لقب الدوري أو الكأس - بل هو دوره كممثل وحيد للمنطقة الجنوبية في المشهد الكروي السعودي. بينما تتمركز معظم الأندية الكبرى في الرياض وجدة والدمام، يقف أبها كجسر بين ثقافة الجبال وعالم الاحتراف.
هذا الموقع الجغرافي والثقافي يفرض تحديات عملية. الإمكانيات المالية المحدودة مقارنة بأندية العاصمة، صعوبة جذب لاعبين أجانب مميزين لمدينة بعيدة عن المركز، والضغط النفسي للمنافسة في بيئة لا تعترف إلا بالنتائج. لكنه يمنح النادي أيضاً قاعدة جماهيرية لا تتزحزح. جمهور لا يتوقف عن التشجيع حتى عندما يكون الفريق في ذيل الترتيب، لأنه يعرف أن خسارة المباراة لا تعني خسارة الهوية.
دروس من المدرجات
في زيارة لملعب النادي، لا تحتاج إلى البحث طويلاً عن قصص تشرح العلاقة بين الفريق والمدينة. هناك من يتحدث عن أبيه الذي كان يصطحبه لمشاهدة المباريات في ثمانينيات القرن الماضي، وعن جده الذي يروي حكايات عن أيام الهواية قبل الاحتراف. هذه الأجيال المتعاقبة تشكل نسيجاً اجتماعياً لا يمكن فصله عن النادي.
اللاعبون المحليون الذين ينشأون في أحياء أبها يدركون أن تمثيل النادي ليس مجرد خطوة في مسيرتهم المهنية، بل هو مسؤولية مجتمعية. عندما يرتدي لاعب من أبها شعار الفريق، يحمل معه أحلاماً لا تقتصر على المستطيل الأخضر، بل تمتد إلى أمل أهالي المنطقة في رؤية أنفسهم في خريطة الرياضة السعودية.
الواقعية والأمل المتزن
لا يبيع نادي أبها أوهاماً. جماهيره تفهم الفوارق الموضوعية في الموارد والإمكانات. لا يطالبون بإنفاق مبالغ فيه أو بتحقيق ألقاب مستحيلة. ما يريدونه هو فريق يقاتل حتى النهاية، وإدارة تعمل بشفافية، وهوية واضحة لا تذوب في زحمة الاحتراف.
في موسم 2022-2023، عندما نجح الفريق في البقاء بالدوري رغم التوقعات السلبية، لم تكن النقاط الأربعين التي جمعها هي القصة الحقيقية. القصة كانت في كيفية تحقيقها: بروح جماعية، وتكتيك واقعي، ولاعبين يدركون أنهم يمثلون أكثر من مجرد أسماء على قميص.
ما يمكن أن يتعلمه المرء من نادي أبها هو أن الرياضة ليست دائماً عن الفوز. أحياناً تكون عن البقاء، عن الحفاظ على الهوية، عن إعطاء مجتمع ما سبباً للفخر حتى في أصعب الأوقات. في عالم يقيس النجاح بالألقاب والأرقام، يذكرنا هذا النادي الجبلي بأن القيمة الحقيقية تكمن في الروابط التي تربط الفريق بأرضه وبأهله.
نادي أبها ليس مجرد 11 لاعباً على أرضية الملعب. هو صوت منطقة ظلت طويلاً تنتظر من يحمل لواءها في أصعب الساحات.
جبال عسير وروح الجنوب: قصة نادي أبها بين الهوية والتحدي
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/59yoi7sw