عندما تقف أمام شباك صرافة في لندن أو نيويورك أو حتى دبي، وتقدم حفنة من الدولارات أو اليوروهات للحصول على ورقة نقدية كويتية واحدة، يبدو الأمر غير بديهي بعض الشيء. لقد اعتدنا منذ عقود على اعتبار الدولار الأمريكي أو الجنيه الإسترليني المعايير المطلقة للثروة والقيمة. ومع ذلك، يظل الدينار الكويتي قابضاً على موقعه في قمة الهرم العالمي للعملات من حيث القيمة الاسمية. لكن خلف هذا التفوق الرياضي في جداول أسعار الصرف، تكمن حكاية اقتصادية معقدة تتجاوز بكثير مجرد فكرة "امتلاك الكثير من المال".
من السهل جداً، وربما من المغري، عزو قوة الدينار الكويتي حصرياً إلى المحيطات الواسعة من النفط الكامنة تحت الصحراء. ورغم أن عوائد النفط تشكل بلا شك العمود الفقري للاقتصاد، إلا أن النفط وحده لا يملي أسعار الصرف. لو كان الأمر كذلك، لامتلك كل بلد غني بالنفط عملة مبالغ في تقييمها. السر الحقيقي يكمن في الكيفية التي يدير بها بنك الكويت المركزي هذا الثقل المالي.
بدلاً من ربط العملة المحلية بالدولار الأمريكي بشكل مباشر وثابت كما تفعل العديد من الدول المجاورة، يتبع الكويت نظام "سلة العملات". هذا يعني أن قيمة الدينار ترتبط بمزيج مدروس بعناية من العملات العالمية الرئيسية، بما يعكس العلاقات التجارية الفعلية للبلاد مع العالم الخارجي. هذا النهج المحافظ والمركب يحمي الاقتصاد من التقلبات العنيفة التي قد تصيب سوقاً أجنبياً واحداً، ويمنح صناع القرار مرونة أكبر في امتصاص الصدمات الخارجية.
بالنسبة للمواطن أو المقيم العادي، تترجم قوة الدينار إلى قدرة شرائية هائلة. السلع المستوردة، بدءاً من الإلكترونيات اليابانية وصولاً إلى السيارات الأوروبية والسفر العالمي، تصبح أرخص نسبياً. يخلق هذا بيئة يكون فيها المستهلك المحلي ملكاً على الساحة الدولية، وتتمتع البلاد بقدرة فريدة على استقطاب السلع والخدمات من كل حدب وصوب.
لكن في علم الاقتصاد الكلي، كل ميزة تحمل في طياتها تكلفة خفية. وهنا تأخذ القصة منعطفاً أكثر عمقاً.
العملة القوية جداً تعمل كمرساة ثقيلة على الصناعات المحلية التي لا تعتمد على النفط. إذا أرادت شركة كويتية تصدير سلع مصنعة محلياً، أو حتى تقديم خدمات لشركات في دول مجاورة، فإن منتجاتها ستبدو باهظة الثمن بالنسبة للمشترين الأجانب. هذه المعضلة تجبر البلاد عملياً على حالة من الاعتماد الشديد على الاستيراد. الدولة والمواطنون يستوردون كل شيء تقريباً لأنه ببساطة أرخص من تصنيعه في الداخل، وهي دورة اقتصادية تُموَّل بالكامل من عوائد سلعة واحدة ناضبة.
الحفاظ على هذا الموقع الريادي يتطلب عملاً بهلوانياً دقيقاً من قبل السلطات النقدية. لا يمكن للبنك المركزي ترك الدينار يرتفع قيمته إلى ما لا نهاية. يجب التدخل باستمرار لضمان بقاء التضخم تحت السيطرة، والحفاظ على سيولة القطاع المصرفي، وحماية أرباح المصدرين القلائل غير النفطيين. قوة الدينار ليست إنجازاً ثابتاً يُنحت في الحجر، بل هي دفاع يومي ونشط عن السياسة النقدية. تتطلب انضباطاً مالياً صارماً، واحتياطيات أجنبية ضخمة، وإرادة سياسية لمقاومة إغراق الاقتصاد بالإنفاق غير المدروس.
في النهاية، يمثل الدينار الكويتي دراسة حالة fascinante في الاقتصاد الحديث. إنه يتحدى الافتراض التقليدي بأن الاقتصاد المهيمن عالمياً يجب أن يمتلك عملة مهيمنة من حيث الاستخدام الدولي (كما هو حال الدولار). لقد اختار الكويت مساراً مختلفاً: إعطاء الأولوية للقدرة الشرائية الداخلية لسكانه واستقرار وارداته على حساب التنافسية التصديرية.
إن موقع الدينار في صدارة جداول الصرف ليس مجرد رقم للتباهي به في النشرات الإخبارية؛ بل هو انعكاس لواقع اقتصادي محدد، ومُدار بعناية فائقة، مبني على موارد محدودة، ويتطلب يقظة مستمرة لضمان عدم تحول قوته الشرائية إلى عبء يثقل كاهل التنوع الاقتصادي في المستقبل.
وهم التفوق المطلق: القصة الاقتصادية غير المرئية وراء صدارة الدينار الكويتي
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/n1io4j9v