لم يكن نواف التمياط مجرد لاعب كرة قدم. كان لحظة شعرية في ملعب مليء بالضجيج، ولمسة موسيقية في لعبة غالباً ما تُقاس بالنتائج الجافة. عندما كان يحمل الكرة، كان الجمهور يسكت تلقائياً، كأن الجميع يدرك أنهم على وشك مشاهدة شيء لا يتكرر كثيراً: لاعب يجعل من الاحتفاظ بالكرة فناً، والتمرير رسالة، والتحرك رقصة.
في ساحة كرة القدم السعودية، حيث غالباً ما تسود القوة البدنية والسرعة الخاطفة، جاء التمياط بجسد نحيل وخطوات خفيفة لا تُسمع. لم يكن الأسرع، ولا الأقوى، وربما لم يكن الأكثر تهديفاً. لكنه كان الأكثر تأثيراً في كل مرة لمس فيها الكرة. كانت لمساته تخبرك بشيء عن الذكاء الرياضي النادر: القدرة على رؤية الملعب كخريطة ثلاثية الأبعاد، مع العلم تماماً أين سيكون زميله قبل أن يعرف هو ذلك.
الذاكرة الرياضية للتمياط لا تحفظه كبطل دوري أو هداف. بل كصانع لحظات. تلك التمريرة بين الخطوط التي قطعت خمسة لاعبين دفعة واحدة. تلك اللمسة الصغيرة التي أخرجت الكرة من تحت قدمي مدافع كان يظن أنه أخذها. تلك النظرة حول كتفه قبل التمرير، كأنه يقول: "انتظر، سأخبرك أين ستكون الكرة بعد ثانيتين."
لكن قصة التمياط لم تكن مجرد احتفاء بالجمال. كانت درساً في هشاشة المواهب. عندما اعتزل وهو في السادسة والعشرين، لم يكن القرار مفاجئاً لمن كانوا يتابعون معاناته مع الإصابات. كانت ركبته تخونه باستمرار، وكل مرة يعود فيها كان عليه أن يعيد اختراع نفسه من جديد. وهنا تكمن المأساة الحقيقية: لم يكن التمياط لاعباً عادياً فقده الكرة بسبب الإصابة. كان فناناً فقد أصابعه التي يعزف بها.
الاعتزال المبكر جعل منه أسطورة لم تكتمل. في عقول محبيه، ظل التمياط دائماً في قمة إمكاناته، لم تتح له الفرصة للتراجع الطبيعي الذي يصيب كل لاعب. وهذا يجعل من ذكراه نقية، لكنها أيضاً محملة بسؤال دائم: ماذا كان يمكن أن يكون لو استمر؟
الإجابة لا تهم حقاً. لأن ما تركه التمياط لا يُقاس بالأرقام. في بلد يبحث دائماً عن أبطال رياضيين يعكسون قوته وهيبته، جاء هذا اللاعب النحيل ليذكر الناس أن القوة ليست دائماً في العضلات، وأن الهيبة قد تكون في الرقة. أن تكون لاعباً لا يعني فقط الفوز، بل يعني أيضاً أن تترك بصمة جمالية لا تُنسى.
اليوم، بعد أكثر من عقدين على اعتزاله، لا يزال اسم التمياط يُذكر في مقاهي الرياض وجدة والدمام، ليس كإحصاء في سجل تاريخي، بل كذكرى لشيء جميل رأوه بأعينهم. ربما هذا هو الإنجاز الحقيقي: أن تكون محفوظاً في الذاكرة الجماعية ليس كرياضي، بل كشخص جعل من الرياضة شكلاً من أشكال الشعر.
الكرة القدم السعودية تنتج الأبطال باستمرار. لكنها نادراً ما تنتج فنانين. نواف التمياط كان الاستثناء الذي يثبت القاعدة.
نواف التمياط: عندما يصبح الجمال هو الهدف
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/5yjo9kr8