في السادسة صباحاً، يبدو الكورنيش أقل ازدحاماً مما يظن الزائر. صيادون يفرغون ما تبقّى من ليلة باردة في صناديق مبللة، وسيدة تعبر بسرعة إلى مخبز الحيّ، وحافلة صغيرة تنادي على ركابها بلهجة لا تشبه لهجات القاهرة. هنا تبدو الإسكندرية أقرب إلى مدينة تعمل منها إلى لوحة سياحية معلقة في ذاكرة الآخرين. لكن محافظة الإسكندرية أصعب من أن تُقرأ من شرفة مطلة على الماء؛ فهي نسيج متشابك من أحياء قديمة، ومناطق توسّع حديثة، وموانئ، وجامعات، وأسواق، وشريط ساحلي يفرض على السكان إيقاعاً خاصاً طوال العام.
كثير من الناس يختزلون المدينة في البحر والآثار. وهذا اختصار مفهوم، لكنه غير كافٍ. فالإسكندرية لم تكن يوماً مجرد منتجع صيفي. تأسست في القرن الرابع قبل الميلاد على يد الإسكندر الأكبر، وصارت عاصمة لمصر في العصر البطلمي، ثم تعاقبت عليها طبقات من التجارة والفكر والهجرات. وفي القرنين التاسع عشر والعشرين، كانت واجهة متوسطية مفتوحة على تجارة القطن والسلع والأفكار، قبل أن تتحول مع الزمن إلى مدينة جامعات ومصايف وإدارة محلية كبيرة.
في وسط المدينة، تحكي الشرفات الحديدية والأبنية ذات الواجهات المتآكلة قصة قرن كان فيه الميناء بوابة للعالم. كانت المقاهي ودور النشر والمسارح جزءاً من حياة ثقافية واسعة، ولم تكن مكتبة الإسكندرية القديمة مجرد صرح ضائع في التاريخ، بل رمزاً لعلاقة المدينة بالمعرفة. واليوم، تأتي مكتبة الإسكندرية المعاصرة لتذكّر بأن المدينة تحاول استئناف حوارها مع العالم، لا الاكتفاء بتأبين الماضي.
غير أن جمال الواجهات لا يخفي التعقيد الإداري والاقتصادي. فمحافظة الإسكندرية تقوم على معادلة جغرافية دقيقة: وجهها إلى البحر، وظهرها إلى اليابسة والبحيرة. هذا الموقع جعلها واحدة من أهم بوابات مصر على المتوسط، حيث يلتقي الميناء بالطرق التجارية والسكنية والزراعية. ولا يقتصر اقتصادها على السياحة الموسمية؛ ففيها صناعة، وتجارة، وصيد، وخدمات تعليمية وصحية، وجهاز محلي يقدّم الخدمات لملايين السكان. ومن ناحية أخرى، تجعل البحيرة والمناطق المنخفضة قضايا الصرف والتوسع العمراني أكثر إلحاحاً مما تبدو عليه في الخرائط الرسمية.
ولكي نفهم المحافظة، علينا أن نغادر الكورنيش قليلاً. في العطارين، يبدو السوق كأنه مختبر يومي للحياة الشعبية: أسماك، وخضار، وباعة، وحركة لا تهدأ منذ الفجر. وفي الرمل وسيدي جابر وسموحة، تتقاطع الطبقات الوسطى مع طلاب الجامعات وموظفي المصالح الحكومية وأسر تبحث عن سكن أقرب إلى أعمالها. أما الأطراف فتكشف مدينة أخرى: عمال، وحرفيون، وأسر انتقلت من قرى مجاورة، ومبانٍ ترتفع أحياناً بلا مساحات عامة كافية، وشوارع تحتاج إلى صيانة قبل أن تتحول إلى أزمات.
في الصيف، تتغير المحافظة كما يتغير مزاج ساكنيها. رواد المصيف من القاهرة ومحافظات أخرى يملأون الشقق المغلقة، وترتفع الأسعار، وتزدحم وسائل النقل، وتتحول بعض الأحياء إلى ما يشبه مدينة مؤقتة داخل المدينة الدائمة. هذا الموسم ليس نعمة اقتصادية فقط؛ إنه اختبار للبنية التحتية: مياه، وكهرباء، ونظافة، ومرور، وصيانة شواطئ. وحين ينجح الصيف في الإسكندرية، لا يعني ذلك أن المدينة جميلة فحسب، بل أن إدارتها استطاعت أن تتنفس مع ضغط الزوار.
لكن التحدي الأكبر ليس موسمياً. فكثير من البيوت القديمة تُهدَّد بالإهمال أو الإزالة، بينما تُبنى منشآت جديدة قد لا تراعي روح النسيج الحضري. الإسكندرية، كمحافظة، تدفع ثمن جاذبيتها: كل طرف يريد قطعة منها، مستثمر يبحث عن عائد، ومواطن يبحث عن سكن، وجهة تحتاج إلى توسعة خدمات، وسائح يريد صورة مثالية. وبين هذا وذاك، تظل الذاكرة الحضرية هشّة؛ فبمجرد أن تُغلق نافذة خشبية قديمة، أو يُزال مقهى له تاريخه، أو يتحوّل شارع ضيق إلى مواقف عشوائية، تخسر المدينة طبقة من طبقاتها.
إلى جانب العمران، يقف البحر جاراً ثقيلاً. فقضايا ارتفاع منسوب سطح البحر وتغيّر المناخ ليست عناوين صحفية بعيدة في الإسكندرية؛ إنها تلامس الكورنيش، والمناطق المنخفضة، وشبكات الصرف، وحتى أسواق السمك. المدينة التي بُنيت على حدود الماء تحتاج إلى إدارة لا تعامل الساحل كواجهة جمالية فقط، بل كحد طبيعي يجب احترامه، ومساحة عامة يجب أن تبقى مفتوحة أمام الناس، لا مغلقة خلف مشاريع فاخرة.
وثمة ما لا تقيسه الخطط العمرانية بسهولة: العلاقة النفسية بين السكندري ومدينته. قد تُنسب إلى أهل الإسكندرية خفّة الظل والبعد عن الادعاء، وقد تكون هذه صوراً نمطية، لكنها تشير إلى شيء حقيقي: مدينة تعلّمت أن تعيش قرب البحر دون أن تتعامل معه كسياح. الطفل فيها يعرف أسماء الشواطئ قبل أسماء المدارس، والشاب يقضي ساعات في مقهى أرخص من نادٍ خاص، والطالب الجامعي يجد في المواصلات العامة درساً يومياً في الصبر والتنقّل بين أطراف متباعدة.
إدارياً، هذا يعني أن قرارات التخطيط ليست تقنية فقط. أي شارع يستحق الترميم؟ وأي فضاء عام يمكن أن يتحمّل الزحام؟ وكيف نوازن بين حق السكان في سكن حديث وحق المدينة في ذاكرتها؟ الأسئلة تبدو بسيطة، لكن إجابتها تكشف فلسفة الحكم المحلي: هل نرى الإسكندرية كمتحف مفتوح للزوار، أم كمكان للعيش اليومي لملايين البشر؟
لذلك، حين نتحدث عن محافظة الإسكندرية، فنحن لا نصف مدينة جميلة على خريطة فقط. نحن أمام مختبر حضري: كيف تحافظ مدينة تاريخية على حياتها وسط ضغط السكان والمصالح والمناخ؟ وكيف تحوّل تراثها من ذكرى متحفية إلى مورد يومي؟ الإجابة ليست في شعار، بل في تفاصيل صغيرة: شارع للمشاة، بيت مُرمَّم، سوق منظّم، شاطئ عام مفتوح، ومواصلات تحترم وقت الناس. الإسكندرية التي تستحق اسمها ليست تلك التي تظهر في البطاقة البريدية، بل التي يستطيع ساكنها أن يعيش فيها بكرامة، وأن يرى البحر نافذة لا سجناً.
الإسكندرية التي لا تُختزل في البحر
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/5xko14i7