في الثامنة مساءً من كل ليلة تقريبًا، يعتاد ملايين المشاهدين في مصر على سماع جملة افتتاحية لا تخلو من حدة، يليها سيل من التصريحات والمداخلات التي تلامس السياسة والاقتصاد وأحيانًا تفاصيل الحياة اليومية. هذا الموعد أصبح مرتبطًا باسم أحمد موسى، أحد أكثر مقدمي البرامج الحوارية إثارة للجدل والحضور في الإعلام العربي خلال العقدين الأخيرين. لكن الحديث عن أحمد موسى لا يتوقف عند شخصه بقدر ما يفتح نافذة أوسع على طبيعة الإعلام التلفزيوني المصري، وعلى العلاقة المعقدة بين الشاشة والرأي العام.
بدأ أحمد موسى مسيرته الإعلامية في الصحافة المكتوبة قبل أن ينتقل إلى التلفزيون، وهو مسار اعتيادي لجيل كامل من الإعلاميين الذين تشبعوا بتفاصيل العمل الميداني قبل مواجهة الكاميرا. عمله في تغطية الشؤون السياسية والبرلمانية منحه قدرة على التعامل مع ملفات كانت تُعد حكرًا على المتخصصين، لكن نقله إلى شاشة التلفزيون هو ما صنع الفارق الأكبر في حضوره الجماهيري. فمنذ انطلاق برنامجه "على مسئوليتي" على قناة صدى البلد، استطاع أن يتحول من مجرد مذيع أخبار إلى صوت يومي يتابعه الجمهور، ويختلف حوله كما يتفق معه.
ما يميز أسلوب أحمد موسى في التقديم هو اعتماده على نبرة مباشرة لا تهادن في تناول القضايا. يخاطب المشاهد وكأنه يشاركه انفعاله، ويستخدم لغة قريبة من الشارع دون أن يتخلى عن الإحالات السياسية والاقتصادية. هذه المعادلة جعلت برنامجه مساحة يتقاطع فيها الخبر بالتعليق، والتحليل بالتصعيد. في مناقشاته، يظهر دائمًا كمدافع عن مواقف محددة، وهو ما يجعله في نظر مؤيديه صوتًا وطنيًا يعبر عن توجهات قطاع واسع من الجمهور، بينما يراه منتقدوه نموذجًا لخطاب إعلامي أحادي الاتجاه لا يترك مساحة واسعة للرأي المخالف.
ولا يمكن فهم حضور أحمد موسى بمعزل عن التحولات التي شهدها الإعلام المصري بعد ثورة يناير ثم ما تلاها من أحداث. ففي فترة اتسمت بتراجع الثقة في بعض المؤسسات الإعلامية التقليدية، برزت البرامج الحوارية ذات الطابع التعبوي كبديل يقدم للمشاهد إحساسًا باليقين وسط فوضى الأخبار. مقدم البرامج هنا لا يكتفي بنقل المعلومة، بل يشارك في تشكيل تفسيرها وتوجيه رد فعل الجمهور تجاهها. في هذا السياق، أصبح أحمد موسى أحد أبرز الأصوات التي تقدم قراءة جاهزة للأحداث، وهي قراءة تلقى قبولًا لدى جمهور يبحث عن وضوح المواقف أكثر من تفاصيل التعقيد.
غير أن هذه المكانة البارزة ترافقها انتقادات مستمرة. يرى بعض المراقبين أن أسلوب المواجهة المباشرة الذي يتبعه أحمد موسى يقلص مساحة النقاش الهادئ، ويحول البرنامج إلى منصة لتأكيد مواقف سابقة بدلًا من استكشاف زوايا متعددة للقضية. كما تشير أبحاث إعلامية غير متخصصة إلى أن البرامج ذات النبرة الحادة تساهم في رفع نسب المشاهدة، لكنها في المقابل قد تعمق الاستقطاب المجتمعي وتجعل الحوار العام أكثر توترًا. هذه الملاحظات لا تنفي قدرة البرنامج على استضافة مسؤولين وخبراء، لكنها تطرح سؤالًا حول الحدود الفاصلة بين الإعلام كسلطة رقابية والإعلام كأداة لتعبئة الرأي.
على الجانب الآخر، يرى المدافعون عن هذا النمط الإعلامي أن الجمهور المصري يفضل الصراحة والوضوح على اللغة الدبلوماسية الباهتة التي لا تحمل مواقف حاسمة. ففي برامج مثل "على مسئوليتي"، يجد المشاهدون أجوبة مباشرة عن أسئلة تشغلهم، بدءًا من أزمة الأسعار حتى تحركات السياسة الخارجية. كما أن التفاعل الكبير مع البرنامج عبر وسائل التواصل الاجتماعي، سواء بالتأييد أو بالرفض، يعكس حقيقة أن أحمد موسى ليس مجرد مقدم تلفزيوني، بل أصبح عنوانًا لمعركة أوسع حول هوية الإعلام ووظيفته في المجتمع.
من المفارقات أن اسم أحمد موسى يثير ردود فعل متناقضة حتى بين من لا يتابعون برنامجه بانتظام. فقد أصبح أيقونة إعلامية تتجاوز حدود الشاشة، تُستدعى في النقاشات السياسية، وتُتخذ مواقف منها تعبر أحيانًا عن مواقف من المنظومة الإعلامية بأكملها. هذا النوع من الحضور الرمزي لا يتوفر إلا لعدد قليل من الإعلاميين الذين نجحوا في تحويل أسمائهم إلى علامات فارقة في الوعي الجمعي، بصرف النظر عن تقييم محتواهم.
في النهاية، تظل تجربة أحمد موسى حالة جديرة بالدراسة لأي مهتم بفهم تطور الإعلام العربي، ليس لأنها نموذج مثالي أو لأنها موضع إجماع، بل لأنها تكشف بصدق عن التوترات التي تحكم العلاقة بين الإعلام والسلطة والجمهور. ففي الوقت الذي يبحث فيه المشاهد عن من يثق به ويشعر أنه يعبر عنه، يبحث الإعلامي عن مساحة تأثير تمنحه حضورًا واستمرارية. أحمد موسى وجد هذه المساحة وتمكن من ملئها بطريقته الخاصة، مما جعله أحد أكثر الأصوات التي يستحيل تجاهلها في المشهد الإعلامي المصري المعاصر.
أحمد موسى وظاهرة البرامج الحوارية في المشهد الإعلامي المصري
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/5w7o7tvx