في المشهد الإعلامي المصري والعربي، هناك أصوات تظهر بقوة لفترة ثم تتراجع، وهناك أخرى تظل حاضرة كخلفية صامتة، ولكن قلة هي تلك التي تستمر، رغم كل العواصف، كجزء من الجدل العام نفسه. إبراهيم عيسى ينتمي إلى هذه القلة. اسمه ليس مجرد مذيع أو صحفي، بل أصبح علامة على نمط من الخطاب: حاد، ساخر، مثير للجدل، وأحيانًا منفِّر. يحبه البعض لحد التقديس، ويُكرهه البعض الآخر لحد الدعاء عليه. لكن قلما تجد من يمر عليه مرور الكرام.
ما سر هذه الاستمرارية؟ الإجابة ليست في موهبته الفردية وحدها، رغم أنها لا تنكر. فهناك مذيعون أكثر رزانة، وكتّاب أكثر بلاغة، ومحللون أكثر عمقًا. سر إبراهيم عيسى، في رأيي، يكمن في كونه أصبح "ظاهرة" تعكس تناقضات عصرنا الإعلامي والسياسي. فهو ليس مجرد ناقل للأحداث، بل هو "مُحدث" لها، يصنع الحدث بنبرة صوته وطريقة طرحه. برامجه، خاصة "العاشرة مساءً"، لم تكن مجرد حلقات نقاش، بل كانت مسرحًا لصراع مرئي بين روايات متضاربة، بين الدولة والمعارضة، بين الرسمي والشعبي، بل بين منطقين للوجود نفسه.
تتمحور شخصية عيسى الإعلامية حول فكرة "المعارضة الصوتية". هي معارضة لا تنظم تظاهرات ولا تطلق بيانات، بل تعمل داخل الصندوق السحري: التلفزيون والراديو والآن المنصات الرقمية. أسلوبه القائم على السخرية اللاذعة، والاستفهام الاستنكاري، وتقطيع مقاطع المسؤولين لتوضيح التناقض، كلها أدوات صنعت له جمهورًا يتعطش لسماع ما لا يُقال في الخطاب الرسمي المملوء بالتحذيرات والتكرار. هو يقدم لهم جرعة من "الحقيقة" كما يراها، أو على الأقل، جرعة من التشكيك في الرواية الوحيدة.
لكن هذه القوة ذاتها هي مصدر ضعفه الأكبر. فبينما يراه مؤيدوه بطلًا شجاعًا يكسر حواجز التابوهات، يراه خصومه نموذجًا للإعلام الانتهازي الذي يبحث عن الإثارة بغض النظر عن الثمن، والذي يزرع الفتنة ويسيء للذات الوطنية تحت شحرورة "حرية الرأي". الانقسام حوله ليس انقسامًا على شخصه فحسب، بل على فكرة أساسية: ما هي حدود حرية التعبير في مجتمع يمر بتحولات سياسية هائلة؟ أين تنتهي المهنية الصحفية وتبدأ الدعاية؟ أين يتوقف دور الإعلام كمراقب ويبدأ كفاعل سياسي؟
لعل أكثر ما يلفت النظر في مسيرة عيسى هو مرونته وقدرته على العودة. التوقيف عن العمل، إغلاق البرامج، التحقيقات الأمنية، كلها أمور مر بها، لكنه ظل يعود من باب آخر. هذه المرونة لا تُفسر فقط بصلابة شخصية، بل أيضًا بفطنة إعلامية فهمت قواعد اللعبة المتغيرة. فبعد أن كان نجماً للتلفزيون الخاص، تحول ببراعة إلى منصات اليوتيوب والبث المباشر عندما ضاقت المساحات التقليدية. لقد استوعب مبكرًا أن الصوت، وليس المنصة، هو جوهر القوة في العصر الرقمي.
اليوم، في زمن السوشيال ميديا حيث الصراخ هو العملة السائدة، يبدو صوت إبراهيم عيسى أحيانًا كجزء من ضجيج الماضي. لكن مراقبته تظهر أنه لا يزال يحتفظ بقدرته على تحريك المياه الراكدة. قد لا يتفق المرء معه في كثير مما يقول، وقد يزعجه أسلوبه المبالغ فيه أحيانًا، لكن من الصعب تجاهل تأثيره. فهو يشبه ذلك الصديق المزعج الذي يصر على تذكيرك بالأشياء التي تفضل نسيانها، والذي يفسد عليك هدوئك بمجرد طرح سؤال غير مريح.
في النهاية، إبراهيم عيسى ليس مجرد صحفي. هو مقياس. مقياس لدرجة هامش الحرية المتاح، ومقياس لدرجة الغضب المكبوت في الشارع، ومقياس لقدرة الخطاب الساخر على البقاء في وجه خطاب السلطة الجاد. تاريخه هو جزء من تاريخ الإعلام المصري المضطرب في الربع قرن الأخير. ربما لن يكتب له الاستمرار إلى الأبد، لكن صوته، بما يحمله من إشكاليات وتناقضات، سيظل جزءًا من أرشيف هذا العصر الصاخب، شاهدا على أن الكلمة، حتى عندما تُكبت، تبحث دائمًا عن ثغرة للخروج.
إبراهيم عيسى: صوت يبحث عن الدوام في زمن الصراخ
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/2f9oqwr7