نادرًا ما ننتبه إلى الطريق إلا حين يخوننا: زحام غير متوقع، حفرة في الأسفلت، رصيف مكسور، أو معبر طويل يجعل الوصول إلى الجهة المقابلة اختبارًا للأعصاب. في تلك اللحظات، يظهر الطريق على حقيقته؛ ليس خطًا محايدًا بين نقطتين، بل خلاصة خيارات طويلة عن أولوياتنا، وعن معنى الأمان والكرامة في الفضاء العام.
الطريق مساحة مشتركة أكثر مما نظن. هو المكان الذي يلتقي فيه الغريب بالجارة، والطالب بالعامل، والسيارة بالدراجة، والطفل بالعالم. لذلك، فإن شكله لا يخبرنا فقط عن هندسة المرور، بل عن أخلاق المدينة. رصيف ضيق، مثلًا، قد يبدو تفصيلًا صغيرًا، لكنه يقول لأم تدفع عربة طفلها، أو لكبير في السن، أو لشخص يستخدم كرسيًا متحركًا: هذه المساحة لم تُفكر فيكم بما يكفي.
حين نصمم طريقًا، فإننا نقرر عمليًا من يملك حق العبور المريح. هل الأولوية للسيارة المسرعة؟ أم للمشاة الذين يحتاجون ظلًا ومقعدًا وإشارة واضحة؟ هل يُنظر إلى الشارع بوصفه ممرًا للعبور فقط، أم مكانًا يمكن العيش فيه أيضًا؟ هذه الأسئلة قد تبدو تقنية، لكنها في جوهرها اجتماعية وإنسانية.
الطريق الجيد لا يُقاس فقط بسلاسة حركة السيارات عليه، بل بقدرته على حماية الأضعف فيه. فالطفل الذي يذهب إلى مدرسته سيرًا، والعامل الذي يعود ليلًا، والرجل الذي يعبر الشارع ببطء، كلهم يختبرون الطريق بطريقة مختلفة عن سائق مركبة مغلقة. السلامة ليست لافتة تُعلَّق عند المنعطفات، بل قرار يظهر في عرض الرصيف، ومكان المعبر، وسرعة الشارع، وإضاءة الزوايا التي قد تُهملها الخطط المتعجلة.
وللطرق وجه آخر لا يقل أهمية: إنها تصنع الذاكرة. ثمة طريق نحفظه لأننا سرنا فيه أول يوم إلى المدرسة، وآخر ارتبط بزيارة جدّة، وثالث لا نمرّ به إلا وتعود إلينا رائحة رحلة قديمة أو حديث مع صديق. الطريق ليس أسفلتًا فقط؛ إنه أرشيف صامت لحيواتنا. قد ننسى تفاصيل كثيرة، لكن أجسادنا تتذكر المنعطف الذي كنا نبطئ عنده، والشجرة التي كانت تمنحنا ظلًا، والبيت الذي كنا نعرف وصولنا من نوافذه المضاءة.
في المدن الكبيرة، قد يتحول الطريق إلى حدّ فاصل. شارع واسع يمكن أن يفصل حيًا عن حي، ويمنع الجيرة من أن تكون علاقة يومية سهلة. وطريق سريع يمرّ وسط منطقة سكنية قد يربط أطراف المدينة ببعضها، لكنه يقطع أوصال حياة كاملة على جانبيه. لهذا، فإن إنشاء طريق أو تعديله ليس مجرد مشروع هندسي، بل تدخل في نسيج العلاقات الاجتماعية، سواء انتبهنا إلى ذلك أم لا.
ولأن الطريق ملموس ورمزي في آن واحد، نحمله أيضًا في لغتنا الداخلية. نقول إن فلانًا وجد طريقه، وإن آخر ضلّ الطريق، وإن الحياة طرق متعددة، وإن لكل إنسان مساره. ربما نحب هذه الكلمة لأنها تتسع للمعنى الحسي والمعنوي معًا. فالطريق الذي نمشي عليه بأقدامنا يشبه، في كثير من الأحيان، الطريق الذي نختاره لأنفسنا: يحتاج إلى وضوح، وإلى إشارات، وإلى رفقة، وإلى لحظات توقف نفكر فيها إن كنا ما زلنا نسير في الاتجاه الصحيح.
لكن أجمل ما في الطريق أنه ليس ملكًا لأحد بالكامل، ولا ينبغي أن يكون. هو ملك عام بالمعنى العميق للكلمة: مساحة نتشاركها رغم اختلاف سرعاتنا ووجهاتنا وحاجاتنا. وفي هذا المشترك الصغير، تظهر قدرتنا على العيش معًا. هل نتزاحم أم نتفاهم؟ هل نترك مساحة للآخر أم نستولي على الطريق كله؟ هل ننتبه لمن يسير ببطء أم نعتبره عائقًا؟
ربما لهذا، حين نتحدث عن إصلاح الطرق، لا ينبغي أن نفكر في الإسفلت وحده. الإصلاح يبدأ بسؤال أبسط وأعمق: لمن هذا الطريق؟ إذا كان الجواب يشمل الطفل والعابر والمسنّ وصاحب الدراجة وسائق الحافلة، فسنكون قد اقتربنا من طريق أكثر عدلًا. أما إذا كان الجواب منحازًا لفئة واحدة، فسيبقى الطريق ناقصًا مهما اتسع.
الطريق الذي نسير عليه كل يوم قد يبدو عاديًا من كثرة تكراره، لكنه يحمل رسالة صامتة عنّا. يقول إننا نحب السرعة أو نحب السلامة، نحب النظام أو نرتجل، نرى الآخر أو ننشغل بأنفسنا. وربما، حين نعيد التفكير في الطريق، لا نكتشف مدننا فقط، بل نكتشف أيضًا أيّ نوع من الناس نريد أن نكون.
الطريق ليس محايدًا
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/5ipoipxs