في صباح أكتوبر 2020، بينما كانت أشعة الشمس تلامس أبراج أبوظبي، وُقّعت اتفاقية إبراهيم في البيت الأبيض. لم تكن مجرد وثيقة دبلوماسية أخرى؛ بل كانت لحظة غيرت خريطة العلاقات الإقليمية في الخليج. وبينما ركّز العالم على "التطبيع" مع إسرائيل، بقيت الشراكة بين الإمارات والبحرين — كدولتين صغيرتين جغرافيًا لكنهما كبيرتين في تأثيرهما الاستراتيجي — أقل إضاءةً، رغم أنها تمثل نموذجًا فريدًا للتعاون العربي في زمن التحديات.
ليست العلاقة بين الإمارات والبحرين جديدة. فمنذ عقود، ربطت العائلات التجارية، والروابط القبلية، وحتى التنقل اليومي عبر الجسر المخطط (الذي لا يزال في طور الدراسة)، بين البلدين. لكن ما يميز العقد الأخير هو تحول هذه العلاقة من تقارب تقليدي إلى شراكة استراتيجية شاملة، تمتد من الأمن إلى الاقتصاد، ومن التعليم إلى الفضاء.
اللافت ليس فقط في حجم التعاون، بل في طبيعته. فبينما تعاني بعض الدول العربية من انقسامات داخلية أو خارجية، اختارت الإمارات والبحرين مسارًا مختلفًا: بناء مؤسسات مشتركة، وتنسيق السياسات، وتبني رؤى متشابهة تجاه التكنولوجيا، والتنويع الاقتصادي، ومستقبل المنطقة. ففي 2021، أطلقت الدولتان "مجلس التنسيق الأعلى"، وهي آلية غير مسبوقة بين دولتين خليجيتين، تهدف إلى دمج سياساتهما في قطاعات مثل الطاقة، والصحة، والنقل، بل وحتى الهوية الرقمية.
لكن هذا التناغم لا يعني غياب التحديات. فكلا البلدين يواجهان ضغوطًا إقليمية متزايدة، من تصاعد النفوذ الإيراني إلى تقلبات أسواق الطاقة، مرورًا بضرورة مواكبة سباق التحوّل الرقمي العالمي. وهنا، يظهر دور الشراكة كأداة للتكيف، لا كخيار رفاهية. فالمشاريع المشتركة — مثل استثمارات الصناديق السيادية في البنية التحتية، أو التعاون في مجال الأمن السيبراني — ليست مجرد صفقات اقتصادية، بل دروعٌ استباقية ضد عدم اليقين.
ربما الأكثر إثارة هو أن هذا التحالف لا يقتصر على الحكومات. ففي المطارات، تجد مسافرين إماراتيين يتجهون إلى المنامة لحضور مؤتمرات تقنية، وباحثين بحرينيين يشاركون في برامج بحثية بأبوظبي، وشركات ناشئة من البلدين تتعاون في مختبرات الابتكار. هناك إحساس صامت بأن المستقبل لن يُبنى منفردًا، بل جنبًا إلى جنب.
ليس كل ما يلمع ذهبًا، بالطبع. فالتكامل الحقيقي يتطلب تنازلات، وتوافقًا في الرؤى قد لا يكون دائمًا سهلًا. لكن التجربة حتى الآن تشير إلى أن الإمارات والبحرين، برغم اختلاف حجمهما السكاني والاقتصادي، نجحتا في صياغة نموذج عربي نادر: حيث لا يُقاس النجاح بالمواجهة، بل بالقدرة على البناء المشترك في ظل عالم يزداد تعقيدًا.
عندما تلتقي الجسور الدبلوماسية بالواقع: الإمارات والبحرين في عالم متغير
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/5ipo6j9x