توقف لحظة عندما تتلقى راتبك الشهر. انظر إلى الفرق بين الرقم الكبير الذي يُعلن عنه عملك والمبلغ الفعلي الذي يدخل حسابك. هذه الثغرة ليست خطأً محاسبياً، بل هي أقدم قصة في تاريخ الحضارة: قصة من يملك الحق في اقتطاع جزء من جهدك مقابل وعد غامض بالخدمات العامة.
العقد الاجتماعي المكسور
في نظرية المدينة الحديثة، الضريبة صفقة بسيطة: تدفع الآن لتستفيد لاحقاً من طرق ومستشفيات ومدارس. لكن أي مواطن عادي في أي بلد عربي يعرف أن الواقع أبعد ما يكون عن هذه البساطة. تدفع مقابل خدمات لا تصلك، وتموّل بنية تحتية تتهاوى، بينما يشكو المسؤولون من "العجز المالي" كما لو كان كارثة طبيعية لا يُحاسب عليها أحد.
الأخطر من ذلك هو أن الضريبة أصبحت أداة سياسية أكثر منها اقتصادية. فالحكومات التي تفشل في جمع ثرواتها الطبيعية، أو التي لا تستطيع إصلاح أنظمتها الجمركية الفاسدة، تلجأ بسهولة إلى رفع الضرائب المباشرة على المواطن العادي. وهكذا يتحول الموظف البسيط إلى حقل نفط بشري يُستخرج منه ما يُغطي عجزاً لا يتحمل مسؤوليته.
العبء الذي لا يُرى
يُحسب الاقتصاديون الضريبة كنسبة مئوية من الدخل، لكنهم لا يحسبون الضريبة النفسية: ذلك الشعور بالعجز عندما ترى ثلث راتبك يتبخر، وأنت تعلم أن جزءاً منه سيذهب إلى رواتب موظفين "وهميين" في دواليب الدولة، أو إلى مشاريع "استثمارية" تتجاوز تكلفتها الحقيقية بعشرات المرات.
ثم هناك الضريبة غير المباشرة التي لا يُسمى اسمها: الرشوة المُتعارف عليها للحصول على حقك، التأخير القسري في إنجاز المعاملات حتى تدفع "رسوم تسريع"، والخدمات التي يفترض أنها مجانية لكنها تتطلب "تغليفاً" مادياً. هذه جميعها أشكال مُنمّطة من الضريبة، تُفرض على الفقراء أكثر من الأغنياء، وتُضاعف عجز الثقة بين المواطن ودولته.
الهروب إلى الأمام
لم يكن التهرب الضريبي بناءً على خطة، بل هو نتيجة منطقية لمنظومة فاسدة. عندما يرى رجل الأعمال أن نظيره في دولة مجاورة يدفع نصف ما يدفع، أو عندما يدرك الموظف الحر أن إعلان دخله كاملاً يعني تدمير قدرته على الادخار، فإن "التهرب" يتحول من جريمة إلى استراتيجية بقاء.
لكن الأكثر إيلاماً هو موقف الموظف المسالم الذي لا يستطيع الهروب. صاحب الدخل الثابت في القطاع الحكومي أو الخاص محاصر بين آلة الجباية التي لا تتعثر وخدمات لا تُحسَن. لا يملك خيار التهرب، ولا قدرة على المقاومة، فيبتلع صمته ويأمل أن يأتي يوم يُحاسب فيه كل من ساهم في هذا العبث.
نحو عدالة مفقودة
لطالما برّرت الحكومات الضرائب بـ"العدالة الاجتماعية" و"إعادة توزيع الثروة". لكن أي عدالة تلك التي تُضاعف الضرائب على العمالة الوافدة المُستضعفة، بينما تُعفى الشركات الكبرى بذريعة "جذب الاستثمار"؟ وأي إعادة توزيع تلك التي تُحوّل أموال الموظفين إلى دعم مباشر لأسر ميسورة الحال تحت مسميات "دعم اجتماعي" انتخابية؟
الضريبة العادلة ليست بالضرورة الضريبة المنخفضة، بل هي الضريبة المرتبطة بخدمات ملموسة، وموزعة بحيادية، ومُصممة لتحميل الأثرياء نسبة تتناسب مع قدرتهم، لا لاستنزاف الفئات المتوسطة حتى آخر قطعة.
السؤال الذي لا يريد أحد سماعه
في النهاية، الضريبة ليست المشكلة. المشكلة هي في العقد الاجتماعي المُهترئ الذي تجعل الضريبة جزءاً منه. فالمواطن الذي يثق بدولته يدفع بارتياح، والمواطن الذي يرى أمواله تُهدَر أو تُسرَق يبحث عن أي ثغرة للاحتفاظ بما يستحقه.
حتى يتغير هذا الميزان، ستظل الضريبة في العالم العربي لعبة صفرية: الدولة ترفع، والمواطن يتجنب، والفاسدون يستفيدون من الفجوة بينهما.
أين تذهب أموالنا حقاً؟ حكاية الضريبة التي لا تُروى
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/59yo4yy3