هناك ربيعٌ يعرفه الجميع. يأتي بعد شتاءٍ طويل، يكسو الأرض خضرةً، ويدفع الناس إلى فتح نوافذهم وكأنهم يستردون أنفاساً ضاعت في البرد. لكنّ ربيعاً آخر يصعب وصفه، لأنه لا يُقرأ في تقويم ولا يُخبر به راديو الطقس. يأتي حين لا يكون أحدٌ في انتظاره. يأتي للإنسان من الداخل، في مرحلةٍ من العمر لم يعد ينتظر فيها شيئاً.
الربيع الذي لا يُعلن عن نفسه
نشأ كثيرون على فكرة أن لكل مرحلةٍ عمرية موسمها. الصبا للتعلم، والشباب للعمل والعطاء، والكهولة للهدوء والاستقرار، ثم المشيب للذكرى والانتظار. هذه الخريطة تبدو منطقية ومرتّبة، لكنها تتجاهل حقيقةً بسيطة: الإنسان لا يسير وفق جدولٍ ثابت.
توجد لحظاتٌ في حياة الناس تتعطّل فيها كل المخططات. شخصٌ فقد وظيفته في منتصف الأربعينات بعد عشرين عاماً من الالتزام. امرأةٌ أنهت زواجها بعد ثلاثة عقود من الشراكة. شابٌ أنهى دراسته ليتكتشف أن التخصص الذي اختاره لا يشبهه. في تلك اللحظات، يبدو كل شيء متوقفاً. كأنّ الشتاء قد حطّ رحاله في الروح واستقرّ.
لكنّ بعض هؤلاء، بعد فترةٍ من الجمود والصمت، يبدأون في فعل أشياء لم يتوقعوها لأنفسهم. يتعلمون مهارةً جديدة. يكتبون ما لم يجرؤوا على كتابته. يغيّرون مكان سكنهم. يبدؤون مشروعاً صغيراً يخصّهم وحدهم. هذا هو ربيع الآخر. ليس ربيعاً يُستقبل بالأزهار والأهازيج، بل ربيعٌ يُستنبت في صمت.
الفرق بين البداية والعودة
كلمة "بداية جديدة" تُستخدم كثيراً، أحياناً بسهولةٍ مفرطة. لكنّ ربيع الآخر ليس مجرد بداية. البداية الأولى في الشباب تحمل طاقة الحماس والجهل المحمود. يندفع الإنسان فيها بلا حساب، لأنه لا يعرف بعد ما الذي يمكن أن يخسره.
أما ربيع الآخر فيأتي بعد الخسارة. بعد أن يكون الإنسان قد عرف طعم الفشل، وتذوّق مرارة التوقف، واكتشف أن الأشياء التي بناها قد تنهار. لذلك فهو أكثر وعياً وأقل صخباً. لا يحمل ذات الطاقة الانفعالية، لكنه يحمل عمقاً مختلفاً. طاقةٌ هادئة، مُترسّخة، تأتي من معرفةٍ لا من توهّم.
من يبدأ مشروعاً في العشرينات يفعل ذلك لأنه يريد أن يثبت وجوده. ومن يبدأه في الخمسينات يفعله غالباً لأنه اكتشف أن وجوده لا يحتاج إثباتاً، بل يحتاج معنى. هذا الفرق جوهري. الأول يبني ليرى، والثاني يبني لأنه رأى.
حين يتحوّل الجمود إلى أرضٍ خصبة
المفارقة في ربيع الآخر أنه ينمو من التربة الجافة. الشخص الذي يمرّ بمرحلةٍ من فقدان المعنى، أو من الشعور بأن حياته دخلت في نفقٍ طويل بلا مخرج، يقف أمام خيارين: إمّا الاستسلام لهذا الشعور والتعايش معه كقدرٍ محتوم، أو البحث عن شيءٍ صغير يمكن البدء منه.
الذين يختارون الطريق الثاني لا يفعلون ذلك بقرارٍ بطوليّ لحظيّ. غالباً ما يبدأ الأمر بخطوةٍ صغيرة جداً. قراءة كتابٍ لم يكن ليُقرأ. الاتصال بشخصٍ غاب عن الحياة سنوات. التسجيل في دورةٍ متواضعة. المشي في طريقٍ مختلف كل يوم. تلك الخطوة الصغيرة، حين تتكرّر، تبدأ بفتح صدعٍ في جدار الجمود.
ما يميّز هذه المرحلة هو أنها لا تُعلن عن نفسها بمظاهر خارجية. لا يصفق لها أحد. لا تُكتب عنها مقالات في الصحف. إنها تحوّلٌ داخليّ يحدث في صمت، وربما لا يلاحظه حتى صاحبه في بدايته. يكتشف لاحقاً أنه تغيّر، حين ينظر إلى الوراء ويرى أن شيئاً ما تحرّك.
الربيع الذي لا يحتاج إذناً
ثقافاتٌ كثيرة تتعامل مع المراحل العمرية المتقدمة وكأنها موسمٌ للانكفاء. يُتوقّع من الإنسان أن يكتفي بما حقّقه، وأن يترك المجال لمن هو أصغر، وأن يقبل التراجع بهدوء. هذه الرؤية، وإن بدت محترمة، تحمل في داخلها افتراضاً مقلقاً: أن العطاء مرتبط بالعمر، وأن الإبداع له تاريخ انتهاء.
لكنّ الواقع يحكي قصصاً مختلفة. هناك من كتب أول روايةٍ له بعد الستين. هناك من تعلّم لغةً جديدة بعد السبعين لا لغرضٍ عملي بل لأنه أراد أن يقرأ أدب تلك اللغة بشكله الأصلي. هناك من بدأ في رسم الحائط الخارجي لبيته بعد التقاعد، فاكتشف أن يده تعرف ما لم يعرفه عقله. هؤلاء لم ينتظروا إذناً من أحد كي يُزهر موسمهم.
ربيع الآخر لا يطلب تأكيداً اجتماعياً. هو في جوهره فعلٌ فرديّ، قرارٌ شخصيّ بأن الحياة لم تنتهِ بعد، وأن هناك ما يمكن أن يُصنع حتى لو كان مختلفاً عمّا سبق.
ليس ربيعاً أخيراً
وقد يُفهم تعبير "ربيع الآخر" على أنه الربيع الأخير، الأخير قبل النهاية. لكنّ هذا الفهم يضيّق ما هو واسع. ربيع الآخر ليس بالضرورة الأخير. قد يليه ربيعٌ آخر، وآخر. ما دام الإنسان قادراً على أن يُدهش نفسه بشيءٍ جديد، فالمواسم لم تنتهِ.
الذي يتعلم في الستين أن يعزف على آلةٍ موسيقية، قد يكتشف في السبعين أنه يحبّ الكتابة. والذي يبدأ في الخمسين بمشروعٍ صغير، قد يجد نفسه بعد سنواتٍ في عملٍ تطوّعي لم يكن يخطر له على بال. الحياة، حين تُعاش بانتباه، لا تنفد من مواسمها.
الفكرة ليست في إنكار الشيخوخة أو التقدّم في العمر. الفكرة في رفض القول إن العمر وحده يحدد ما يستطيع الإنسان أن يكون. ربيع الآخر يأتي حين يكتشف الإنسان أن الأبواب لم تُغلق، وأن بعضها كان مفتوحاً طوال الوقت ولم يجرؤ على الدخول.
ما يبقى بعد الموسم
في النهاية، ربيع الآخر ليس حدثاً يُؤرخ. لا يُذكر في السيرة الذاتية كمرحلةٍ محددة بتاريخ بداية ونهاية. هو بالأحرى حالةٌ من الانتباه، من الاستعداد لأن تكون مختلفاً عمّا كنت، من القبول بأن المعنى قد يتغير شكله ولا يضيع جوهره.
الذين يعيشون هذا الربيع لا يصفون أنفسهم بالأبطال ولا بالاستثنائيين. هم فقط أشخاصٌ اكتشفوا أن التوقف ليس قدراً محتوماً، وأن الفصول الأربعة ليست قانوناً يطبق على الروح كما يطبق على الطبيعة. قد يكون الشتاء طويلاً، وقد يكون قاسياً، لكنه ليس النهاية.
يبقى في الإنسان شيءٌ لا يهرم. شيءٌ قادر على الاندهاش، على البدء، على أن يقول: لم ينتهِ الأمر بعد. ذلك الشيء، حين يُصغي إليه صاحبه ويلبي نداءه، يكون ربيع الآخر.