في أول يومٍ لي في الصف الثالث الثانوي، كان أستاذ الفلسفة يدخن خارج الساحة بعد انتهاء الحصة. كنت أراقبه من النافذة، وأتساءل عن ذلك الاستنارة التي يجدها في الدخان المتصاعد، بينما هو نفسه يعلّمنا أن "الحرية هي إدراك الضرورة". في تلك اللحظة، لم أكن أعرف أنني سأعود إلى هذا المشهد مرارًا، كلما حاولت فهم علاقتنا المعقّدة بالسيجارة.
نادرًا ما نسأل أنفسنا: لماذا تُسمّى "سيجارة"؟ الكلمة ذاتها تحمل حملًا ثقيلًا من التاريخ والتجارة. جاءت من الإسبانية "sigaro"، التي تعود إلى لغة المايا "sicar" بمعنى "لفّ بالأوراق". بينما نحن نلفّ أعمارنا بورقٍ أبيض ونضع فيها نارًا صغيرة، كان السكان الأصليون في أمريكا الوسطى يقدّسون التبغ كجسرٍ إلى العالم الروحي. الفارق أنهم كانوا يستنشقون الدخان في طقوس جماعية، أما نحن فقد حوّلناه إلى عادةٍ فردية تُمارس في زوايا الغرف أو على شرفات المكاتب، بين جرسين للهاتف.
في مقهى شعبي بقلب عمّان، التقيت بخليل، شابٌ في الثلاثينيات يدير مشروعًا ناشئًا للبرمجيات. بينما كان يُخفض صوته ليوازن بين رغبته في السيجارة ورغبة زملائه في الهواء النقي، قال لي: "أحيانًا أشعر أنها الوحيدة التي تسمعني دون أن تنصحني". كانت جملته تُلخّص صراعًا صامتًا يعيشه كثيرون: السيجارة كصوتٍ حميم في لحظة ضجيج. لكن هذا "الصوت" له ثمنٌ باهظ. في الأردن، يُنفق المواطنون سنويًا ما يعادل 1.2 مليار دينار على التبغ، وفقًا لتقديرات وزارة الصحة. لو حوّلنا هذا المبلغ إلى دعم المدارس أو تطوير النقل العام، كيف كانت ستبدو مدننا؟
السيجارة ليست مجرد منتج استهلاكي؛ هي قصةٌ طويلة من التسويق والسياسة. في خمسينيات القرن الماضي، أطلقت شركات التبغ حملات إعلانية صوّرت المدخّنين كرموزٍ للرجولة والأنوثة المتمرّدة. مارلين مونرو، جيمس دين، حتى الأطباء أنفسهم كانوا يظهرون في إعلانات يُقنعون الجمهور بأن السجائر "تخفف التوتر". اليوم، نعرف الحقيقة العلمية، لكن الصورة النمطية ما زالت تتغلغل في أفلامنا وأغنياتنا. كم من مشهدٍ رومانسي لا يكتمل دون وميض ولاعة في الليل؟
في إحدى جلسات الدعم النفسي التي حضرتها لأبحث عن وجهات نظر مختلفة، قابلت ليلى، امرأة خمسينية بدأت التدخين في سن الرابعة عشرة. قالت لي: "أذكر أول مرة أشعلت فيها سيجارة. كنت أريد أن أُثبت لصديقاتي أنني كبيرة. الآن، أريد أن أُثبت لنفسي أنني أستطيع الإقلاع". كانت كلماتها تعكس دورةً مفرغة من البحث عن التحقق الذاتي عبر مادةٍ تُضعفه. النكتة المُرة أن معظم المدخنين يبدأون في سن المراهقة، حين يكون الدماغ أكثر عُرضة للإدمان، ثم يظلون يدفعون ثمن هذا القرار لعقودٍ لاحقة.
تقول دراسةٌ حديثة من جامعة ستانفورد إن الدماغ البشري يتعلّق بالسيجارة لأن النيكوتين يُحفّز إفراز الدوبامين بنفس الطريقة التي يحدث بها عند تلقي "إعجاب" على وسائل التواصل. لكن بينما تتلاشى إشعارات الهاتف في ثوانٍ، يبقى تأثير النيكوتين لساعات، ما يخلق حلقةً من الرغبة والإشباع المتكرر. في عصرنا الرقمي، أصبحت السيجارة منافسةً لإشعارات الهاتف، كلاهما يُفرِغنا من القدرة على الجلوس مع أنفسنا دون مُحفّز خارجي.
في مشوار بحثي، زرت مصنعًا لإنتاج السجائر في شمال إفريقيا، حيث قابلت عاملين يُصرّحون لي بشرط عدم ذكر أسمائهم. أحد العمال، وهو أبٌ لثلاثة أطفال، قال: "أعرف أن المنتج الذي أُصنعه يُضرّ بالناس، لكنني أحتاج العمل لأُطعم أولادي". كانت جملته تُلقي بظلالٍ ثقيلة على تعقيدات الاقتصاد والصحة. كيف نُطالب بالإقلاع عن التدخين بينما آلاف العائلات تعتاش من هذه الصناعة؟ الإجابة ليست في الإدانة الأخلاقية، بل في خلق بدائل اقتصادية حقيقية.
اليوم، يتغيّر المشهد مع ظهور السجائر الإلكترونية والأنابيب الحرارية، لكن القصة تبقى ذاتها: بيع الوهم بالسيطرة. يُسوّق لها على أنها "أقل ضررًا"، بينما تُظهر الدراسات أن المراهقين الذين يستخدمونها أكثر عُرضة لاحقًا للتدخين التقليدي. الشركات لم تتغيّر؛ فقط تغيّرت عبوتها.
ربما الحلّ ليس في التركيز على "الإقلاع" كهدفٍ نهائي، بل في فهم السبب الذي يجعلنا نبحث عن سيجارة أصلاً. هل هو الملل؟ الضغط الاجتماعي؟ الشعور بالفراغ؟ عندما نُعالج الجذر، تضمحلّ الأعراض. أحد أصدقائي، بعد سنواتٍ من المحاولات الفاشلة، أقلع عندما بدأ يمارس رياضة الجري. لم يُقلع لأن الجري "صحي"، بل لأنه اكتشف أن أنفاسه الطويلة في الصباح الباكر تعطيه ما كانت تعطيه السيجارة: إحساسًا بالحياة.
في النهاية، السيجارة ليست العدوّ. هي مجسّ لحاجاتٍ أعمق نحملها في صدورنا. عندما نفهم هذه الحاجات، ربما نجد أنفسنا نضع العلبة جانبًا ليس خوفًا من المرض، بل حبًا في الحياة التي نستحق أن نعيشها بكامل رئتينا.
ما الذي يظلّنا نفتّش عنه في علبة سجائر؟
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/2p6o9qlj