أول مرة التقيتُ بسارة كانت على منصة للتصميم الجرافيكي. كانت تُجري مقابلة عمل افتراضية، وكانت المنصة تقطع الصوت كل ثلاث دقائق، فاضطرت أن تُكمل الجملة التي بدأتها قبل ثلاثين ثانية. انتهت المقابلة، وانتهى الأمر، ولم نلتقِ مطلقاً. قبل أسبوع، وصلتني رسالة منها: «هل تتذكرني؟ أصبحتُ الآن أدير استوديو تصميم صغيراً، ولم أعد أستخدم تلك المنصة». لم تقل لي ما الذي دفعها للرحيل، لكنني أدركتُ أن سؤالاً آخر كان يلحّ عليها طوال الوقت: متى تصبح المنصة قفصاً بدلاً من جسر؟
في السنوات الأخيرة، صارت كلمة «منصة» تُلصق بأي شيء تقريباً: منصة تعليم، منصة تسوق، منصة تواصل، منصة للعناية بالنباتات المنزلية. يكفي أن يكون لديك اسم نطاق وواجهة بسيطة لكي تُطلق على نفسك هذا اللقب. لكن سرعان ما يكتشف الناس أن كونك على منصة لا يعني بالضرورة أنك ترى الأفق؛ أحياناً تعني فقط أنك أعلى قليلاً من غيرك، ومع ذلك لا تزال محاطاً بالحواجز نفسها.
أذكرُ صديقاً كان يعمل في منصة للتداول الإلكتروني. كان يقضي ساعات يُراقب الأرقام ترتفع وتنخفض، ويصف لي الشعور بأنه «يُمسك بعجلة طائرة ورقية، لكن الخيط ليس في يده». في إحدى الليالي، أغلق التطبيق فجأة، ولم يفتحه منذ ذلك الحين. عندما سألته لماذا، قال: «لأنني كنت أُلقي بنفسي من مرتفع افتراضي كل يوم، وأعود إلى المنزل بلا وزن». ربما كان يبحث عن منصةٍ أخرى، لكن ليس من النوع الرقمي هذه المرة.
في المقابل، قابلتُ مدرّسة لغة عربية استخدمت منصة تعليمية لتصل إلى طلاب في أربع قارات. لم تكن المنصة مجرد أداة لها، بل صارت امتداداً لصوتها. تقول إن أحد طلابها كان يعيش في قرية نائية، وكان يُحضر حاسوبه إلى سطح البيت ليلتقط إشارة الواي فاي من مقهى بعيد. بعد عامين، أرسل لها صورة من مكتبة الجامعة التي التحق بها. «هذه المنصة لم تُغيّر حياتي أنا فقط»، قالت، «بل سمحت لي أن أُغيّر حياة شخص آخر». الفرق هنا ليس في التكنولوجيا، بل في السؤال الذي يُخفيه كل منا: هل أستخدم المنصة لتصل إلى أبعد، أم لأختبئ خلفها؟
يبدو أننا نعيش زمن التناقضات: كلما ازدادت المنصات، ازدادت العزلة. كلما سهُل الوصول، ازدادت المسافات بيننا. في مكتبة عامة صغيرة، رأيتُ طفلاً يُقلّب كتاباً ورقياً عن الفضاء، وكان يسأل أمه أسئلة لا تنتهي. لم يكن بحاجة إلى حساب، ولا إلى بث مباشر، ولا إلى تسجيل دخول. كانت المنصة هناك، بين يديه، لكنها لم تكن حاجزاً. كانت جسراً إلى عالم أكبر من دون أن تُبعده عن العالم الذي يعيش فيه.
ربما المشكلة ليست في المنصات بحد ذاتها، بل في طريقتنا في التعامل معها. نحوّلها أحياناً إلى شاشة عرض لحياتنا بدلاً من أن نجعلها نافذة نرى من خلالها الآخرين. نُكرس وقتنا في تجميل الملف الشخصي، وننسى أن أهم ما في الملف هو الإنسان الذي يقف خلفه. نُصبح خبراء في التفاعل، لكننا نفقد فن الحوار. نحصد الإعجابات، لكننا نفقد الوقت الحقيقي مع من نُحب.
السؤال الأخير الذي أتركه لك: إذا أغلقتَ كل المنصات الآن، من سيظل بجانبك؟ إذا اختفى حسابك، هل ستختفي أنت أيضاً؟ ربما حان الوقت لنعيد تعريف «المنصة»، ليس كمكان نرتقي إليه، بل كمكان ننطلق منه إلى ما هو أبعد، إلى ما هو أعمق، إلى ما هو أصدق. المنصة الأهم قد تكون تلك التي لا تحتاج فيها إلى كلمة مرور، بل فقط إلى حضور.
التدوينة التالية قد أكتبها على منصة، لكنني أعدك أن أبدأها بصوت مسموع، لا بخطاب مكتوب. أعدك أن أترك لك مساحة لتُكمل الفكرة، لا مجالاً للتعليق. أعدك أن أبحث عنك خارج الشاشة، في زاوية مقهى، على رصيف محطة، أو بين رفوف مكتبة. هناك، حيث لا توجد إشعارات، ولا خوارزميات، ولا إعجابات، ربما نجد أخيراً ما كنا نبحث عنه منذ البداية: منصة لا تحتاج إلى اسم نطاق، لأنها تُبنى من لحظة صمت مشتركة، ثم من ضحكة لا تُحتسب بالثواني.
أين تنتهي المنصة وتبدأ الحياة؟
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/2miol3gf