يستيقظ المحلل الاقتصادي في طوكيو على خبر انهيار بنك استثماري أمريكي، فيهرع المتداولون في لندن إلى شراء الدولار. تعلن الصين عن تسريع تخليصها من سندات الخزانة الأمريكية، فترتفع العملة الخضراء على أي حال. يبدو هذا منطقياً فقط إذا كنت متابعاً طويل الأمد لسوق العملات، حيث يتصرف الدولار الأمريكي وفق قواعده الخاصة التي تتحدى المنطق التقليدي.
الملاذ والعقبة في آن واحد
الغموض الأساسي للدولار الأمريكي يكمن في ازدواجيته. هو عملة بلد واحد، لكنه في الوقت ذاته العمود الفقري للنظام المالي العالمي. تستقر فيه احتياطيات البنوك المركزية بنسبة تقترب من 60% من إجمالي احتياطيات العملات العالمية، رغم أن الاقتصاد الأمريكي لا يمثل سوى ربع الناتج العالمي تقريباً. هذا التفاوت بين الحجم الاقتصادي والتأثير النقدي يخلق ظاهرة تستحق التأمل.
عندما اندلعت أزمة 2008 المالية، لم يكن المستثمرون الأجانب يهرولون نحو اليوان الصيني أو الروبل الروسي. لجأوا بدلاً من ذلك إلى ما كان سبب الأزمة نفسه: الأصول المقومة بالدولار. تكرر المشهد خلال جائحة كورونا عام 2020، عندما ارتفع مؤشر الدولار الأمريكي رغم أن الولايات المتحدة كانت من أكثر الدول تضرراً صحياً. الملاذ الآمن، كما يتبين، ليس دائماً الأمانة نفسها.
آلة العقوبات وحدودها
استخدمت واشنطن الدولار كأداة سياسية بشكل غير مسبوق خلال العقد الأخير. عقوبات على روسيا، مقاطعات مصرفية لإيران، تجميد أصول ليبيا وأفغانستان. كل خطوة من هذه الخطوات منطقية سياسياً، لكنها تترك أثراً عميقاً في البنية التحتية للثقة بالنظام المالي الدولي.
تسارعت محاولات "التنويع" بعد العقوبات المفروضة على موسكو عام 2022. بدأت الهند تشتهر بصفقات النفط بالروبية، وتجرب الصين نظام "يان" عبر الحدود، وتدرس دول الخليج تسعير بعض الصادرات بعملات بديلة. لكن النظر إلى الأرقام يكشف عن واقع مختلف: نسبة الدولار في المدفوعات العالمية لم تهبط بما يذكر، واحتياطيات الذهب واليورو والين لم تمتلك القدرة على استبداله فعلياً.
المشكلة ليست تقنية فقط، بل ثقافية. يتداول التجار الدوليون بالدولار لأن نظرائهم يتداولون بالدولار، والبنوك تقرض بالدولار لأن مديونيها يدينون بالدولار، وهكذا تستمر الدائرة. كسر هذه الحلقة يتطلب تغييراً في العقلية أكثر منه بنية تحتية مالية.
الانكماش العظيم القادم؟
يستبعد الكثيرون تخلص العالم من الدولار الأمريكي في المستقبل القريب، لكن هذا لا يعني استقراره التام. التحدي الأكبر قد يأتي من الداخل الأمريكي: تضخم مستمر، عجز مالي يتجاوز 34 تريليون دولار، وصراعات سياسية تهدد بوقف سداد الديون الحكومية. كل هذه العوامل تهز الثقة بقدرة الولايات المتحدة على الوفاء بالتزاماتها، وهي الثقة التي تبقى على الدولار عالياً.
لكن حتى المشككين يواجهون سؤالاً محيراً: البديل عن ماذا؟ اليورو يعاني من انقسامات سياسية داخلية. اليوان الصيني لا يزال تحت رقابة صارمة للتدفقات الرأسمالية. العملات الرقمية واعدة لكنها متقلبة وغير جاهزة للاستبدال. الذهب ثمين لكنه غير عملي في التجارة اليومية. في عالم من الأخيار السيئة، يظل الدولار الأمريكي الأقل سوءاً.
ما يعنيه ذلك للقارئ العادي
ليس من الضروري أن تكون متداولاً في وول ستريت لتشعر بتأثير الدولار الأمريكي. يرتفع سعر السكر في مصر عندما يضعف الجنيه أمام الدولار. تتأخر شحنة أدوية في نيجيريا بسبب نقص العملة الصعبة. يجد المهاجرون في أوروبا أن تحويلاتهم إلى أوطانهم تساوي أقل من ذي قبل.
الدولار الأمريكي، بالتالي، ليس مجرد عملة. هو مرآة تعكس توازنات القوى العالمية، وثقة أو عدم ثقة في المؤسسات الدولية، وقدرة الأفراد على التخطيط لمستقبلهم. فهمه لا يتطلب دراسة اقتصادية عميقة، بل مجرد الاعتراف بأنه ليس هناك ما هو خالٍ من السياسة تماماً في عالم المال.
العملات، في النهاية، تبقى أداة للثقة الجماعية. والدولار الأمريكي، رغم كل شيء، لا يزال يحظى بأكبر حصة من هذه الثقة. السؤال ليس ما إذا كان سيستمر، بل كم من الوقت ستستمر هذه الثقة، ومن يدفع الثمن عندما تتآكل.
لماذا لا يتوقف الدولار الأمريكي عن الدهشة؟
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/2f9oq436