استمع كثيرُنا إلى جملة "كنت مريضاً في الفراش لمدة أسبوع"، ولكننا قلما تفكّرنا في معناها العميق. الفراش الذي عهدناه مكاناً للراحة يصبح فجأة معتقل جسدٍ مُنهَك. حركة بسيطة مثل رفع كوب الماء تأخذ طابع المهمة الصعبة في سجن المرقد الأبيض. وتبدو الزيارة اللطيفة من صديق نرجوها قصيرة فيجلس طويلاً كأنه الضيف الثقيل.
المرض لا يكتفي بإصابة الأعضاء الداخلية، بل يعلّق في الجوار، فنجان القهوة المنسيّ يصبح شاهداً على العزلة بينما الهواء على النافذة مغرماً بالحرية والأصوات البعيدة كأنها أصوات في نظام آخر لسكانٍ أوفياء لحياتهم الطبيعية الممنوعة على المريض.
في الأيام الأولى، نميل جميعاً إلى التعاطف مع المريض، نزين فراشه بالورود والكتب المجللة بالعطف. لكن المشكلة عندما يطول المرض - في الأسبوعين ثم الثالث والرابع.. هنا يبدأ خيط التعاطف يتهتك. تتحوّل الصبغة والدعم إلى نبرة أخرى؛ نمارس النفاق الاجتماعي المرسل مع الحليب والمجلات، بينما يعتري الروح شيء من التأنيب البارد: العجز يصبح تعلل العمل، الفراش تحوّل إلى الكسل، المهمة التي توكل إلى الطبيب تحمّل للمريض نفسه كأنك قد اخترت الغياب رغماً عن إرادة الأخرين - كم هو غرور أن تمرض طويلاً، في أذهان بعضهم؟!
المفارقة هنا أن المريض المحبوس في بيته يتوق بداخله لأيامه السابقة، حتى للألم البسيط الذي عاشه يوماً من دون جدوى. فراشه المريح يصعب حمله تحت ثقل الساعات المتوالية التي تثقل جسده وينعزل عقله يوماً بعد يوم. غياب الحركة يُحدث خللاً ثانياً، فيشكّل بطانة تحت جلد الأمر الواقع القائم.
دعم المريض المديد عملية بالغة الصعبة حتى أقرب المقربين، فلا علاج جاهز لمرارة الخيبة من التقدم، ولا لقاووقه في مدى التعافي الذي لا يبدو قاب قوسين أو أدنى. صدقة الكلمة "سهل أن تتعافى" لا تطعم جوعاً للحرية وإيتاء راحة للنفس قبل الجسد. سرائر الإنسان المعزول تنعقد حتى يُقال في صغره "مريضٌ كبيرٌ".
المرض طويل الأمد ليس مجرد نقص في مكونات الدم، أو تقلبات في حرارة الجسد. إنه حاجز بني أمام كل طبيعة حياة، فاقد للطعم، اغتنام للظلام.. رحل فعهد الصحة في انتظار تعسن متعلق بجرعة وعتبة وحيدة "ليس للعلاج شريط تقدير لينتهي بدقه".
المطلوب ليس معجزة طبّية فقط، بل جرعة نادرة من تفهم النفس، تغذيها كلمات قليلة صادقة كأنها علاجا لما خلف الجسد والمختبرات. ثم نسأل الله أن تحمل الروح وتنام عين الرؤية بطعام الدعوات الجميلة، وألا تكون الكفر بمملكة المرض العدو الأكبر للإنسان، لينفسح الباب ويعود إلى نغمة الحياة العاشقة للحركة في بَرَد المنزل وغردات الصيادي في العمق وراء النافذة.
السكون المؤلم: مرض يتجاوز الجسد ليخترق العقل
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/2f9o7jmv