أول ما يخطر ببالي عند سماع كلمة "سيارة" ليس المحرك أو الهيكل، بل تلك الرحلة التي بدأت قبل عشرين عامًا عندما اصطحبني والدي لأول تجربة قيادة في شارع جانبي خلف مدرستنا الابتدائية. كانت سيارته القديمة من طراز تويوتا كورولا 1988، لونها بيج غامق، وصوت المحرك يشبه زمخرفة عجوز حكيمة. أذكر كيف أمسك بعجلة القيادة وأنا أرتجف، بينما هو يجلس بجانبي يهمس: "ببطء، كأنك تمسك يد طفل نائم".
منذ تلك اللحظة، لم تعد السيارة مجرد أداة تنقل. صارت حاضنة للذكريات، ومسرحًا لأهم محطات حياتنا. في المدن العربية، حيث تتشابك الشوارع كأوردة الإنسان، تصبح السيارة امتدادًا لذواتنا. ننام فيها لساعات بين دوامات الزحام، نبكي فيها سرًا بعد لقاء عاطفي فاشل، نحتفل داخلها بأغاني المهرجانات عند قبولنا في الجامعة.
تغيرت علاقتنا بالسيارة بشكل جذري خلال العقد الأخير. لم نعد نشتريها لأنها "جديدة" فقط، بل أصبحنا نبحث عن شخصيتها. بعضنا يختار السيارة الكهربائية الصامتة تعبيرًا عن انتماء بيئي، بينما يتمسك آخرون بالمحركات الضخمة كرمز لبقايا الفحولة الميكانيكية. في الرياض، التقيت بشاب ثلاثيني يقود سيارة فارهة لكنه يتركها مركونة أيامًا طويلة، يفضل استخدام تطبيقات التوصيل. "السيارة أصبحت مثل الساعة الفاخرة"، قال لي مبتسمًا، "نمتلكها للمناسبات، لا للحاجة".
الأكثر إثارة للاهتمام هو كيف تحولت السيارة إلى مساحة عمل متنقلة. أصبحت أرى مدرسات يُعدلن دروسهن من داخل السيارات، ورجال أعمال يعقدون اجتماعاتهم عبر مكبرات الصوت أثناء الانتظار أمام المدارس. في إحدى الزيارات لجدة، صادفت صاحب مطعم يحضّر قائمة طعامه اليومية من مقعد السائق، يستلهم أسماء الأطباق من لوحات أرقام السيارات التي تمر بجانبه.
لكن ربما أعمق ما في علاقتنا بالسيارة هو ذلك الشعور بالخصوصية المؤقتة. في عالمنا العربي، حيث تتداخل الخصوصية العائلية مع المساحات العامة، تصبح السيارة الكبسولة الوحيدة التي نتحكم بها. أذكر أمًا في الكويت كانت تستغل نصف ساعة الانتظار أمام المدرسة لتعلم ابنتها النطق السليم لحرف الضاد، دون أن تسمعها الجدة أو العمة في المنزل. "السيارة صارت غرفة المعيشة الخاصة بنا"، قالت لي بضحكة عفوية.
الآن، مع اقتراب عصر القيادة الذاتية، يتساءل الكثيرون عن مستقبل هذه العلاقة العاطفية. لكنني أرى أن التحول لن يكون في التكنولوجيا فقط، بل في طريقة تعريفنا للحرية. الجيل القادم قد لا يعرف متعة امتلاك مفاتيح أول سيارة، لكنه سيجد حرية جديدة في تحويل وقت القيادة إلى قراءة أو نوم أو حتى ممارسة الهوايات.
في النهاية، تبقى السيارة أكثر من قطعة معدنية تتحرك. هي الحضن المعدني الذي احتوى أول قُبلاتنا، والمأوى المؤقت عندما نهرب من ضغوط العمل، والشاهد الصامت على مراحل حياتنا. ومهما تطورت التكنولوجيا، ستظل ذاكرة العطر العالق في المقاعد، وصوت الباب المغلق، وذلك الشعور بالسيطرة عند الضغط على دواسة الوقود، جزءًا من حكايتنا الإنسانية التي لا تُركب في أي خوارزمية.
عندما تصبح السيارة صديقًا لا يُفارقك
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/ntwoqvqq