عندما تصبح المنبر مدرسةً أسبوعيّة

المسجد يمتلئ، المصلون يتراصّون، ينتظرون لحظة الجمعة التي يحدق فيها الجميع باتجاه المحراب. في هذا التجمع الأسبوعي، يتحوّل رجل الوقوف عند المنبر من مجرّد خطيب إلى ناقلٍ للرؤية، من موحٍد للجماعة إلى قائدٍ فكريّ. إنها خطبة الجمعة، تلك الظاهرة التي تتجاوز كونها مجرد شعار ديني لتتحوّل إلى منصّة تربوية عابرة للأجيال.
ما لا يلفت الانتباه هو كيف تتجدّد وتتكيف شحنة الخطبة أسبوعياً. يشهد البعض أن المواضيع قليلة التنوّع أو لغة الخطيب قد تكون جافّة، لكن الواقع يقول إن خطبة الجمعة اليوم أثبتت أنها ليست طقوساً ثابتة بل نظام ديناميكي يصقل المضمون وفق حاجة المجتمع. نحن لا نستمع لنفس الحديث منذ ألف عام، بل لنصوص تعالج جائحة كورونا، تحدّثنا عن النظافة بين ماضيها الطهوري وحاضرها الوقائي، وتخرج إلى التعليم الجامعي وتدافع عن البعد الأخلاقي في العلوم الحديثة.
ثمّة تشويش حول منبر الجمعة، منهم من يرى أن وظيفته التذكيرية قد انتهت في عصر الفيديوهات السريعة، لكن ذلك عدم تقدير للوقفات الحيّة في نسيج الجماعة الإسلامية. الأبحاث النفسية تقول إن سماع الكلمات في مكان مقدّس على جمع متآلف يحسّن الاستيعاب ويزيد الأحاسيس طوباوية. لا يمكن لوسائل الإعلام الإلكترونية أن تحل محل الوجود الجسدي بين جدارين تتلبّسهما روحانيّة جماعيّة.
لأهمية خطيب الجمعة قدّار. ليست درجاته العلمية وحدها تضفي شرعية، بل ثقافته الاجتماعية وقدرته على خلق سياقات تخاطب جميع المصلين: الشاب الذي يواجه إغراءات التواصل الاجتماعي، التاجر الذي يُراوح بين الأرباح والأمانة، الأمّ التي تبحث عن تربية متوازنة في زمن الأفكار المتصارعة. هؤلاء بدورهم يتلمسون شفافية الخطيب، فهل يتحدث بوعظ سطحي أم يبحث جذور المواضيع، وهل جمعه بين الرسالة الدينية وملاءمتها للواقع يصنع التوازن؟
خطبة الجمعة تتحمّل جزءاً من اللوم في تصدُّر بعض المخاطر حين تركز على الدرر اللوائحية وتنسى الكوامن الوجدانية للدين. لكن حذاقة الخطيب تكمن في أن يُلمّح إلى مسؤولية المجتمع عن البيئة مثلاً دون إحداث انشقاق سياسي، أو أن يدافع عن حقوق المرأة دون خوض في جدال المجتمعات الذكورية، وكأن المنبر مدرسة تربّي بأسلوب "علموا ولا تعنّفوا".
هي خطبة الجمعة، ظاهرة تجمع أصواتَ المصلين قبل صلاة الجمعة، وتجمع ماضي الأمة مع حاضرها، وتجمع بين الفكرة والفعل، فألا تستحق منا أكثر من مجرد دوام وجود إلى حين الرحيل بعد "الصلاةِ جامعةً"؟

Source: HotArticle

Original link: https://www.hotarticle24.com/ntwoq6j9

Recommended For You

Guia Completo do Aeroporto Francisco Sá Carneiro: Tudo o que Precisa Saber

O Aeroporto Francisco S Carneiro, conhecido pelo seu cdigo IATA OPO, a principal porta de entrada area do Norte de Port...

2026-08-31 4 views
路易-帕斯卡·特伦布莱:魁北克银幕上的多面才子

路易-帕斯卡特伦布莱是近年来在魁北克影视圈逐渐崭露头角的一位实力派演员。对于关注加拿大法语区影视作品的观众来说,这个名字并...

2026-08-31 6 views
When the Sky Becomes Visible

There are mornings when the city looks different. The sun rises behind a milky film, buildings lose their sharp edges, a...

2026-09-16 9 views
Los Angeles Dodgers: History, Legends, and What Makes the Franchise Special

Few names in professional sports carry as much weight as the Dodgers. Based in Los Angeles since 1958, the franchise has...

2026-09-08 3 views
Cohn: A Name That Carries More Than a Search Result

Type “Cohn” into a search bar and the screen quickly proves how much can sit inside one short name. It may lead to a f...

2026-08-26 5 views
## 词源本义:加泰罗尼亚语中的“船”

首先要明确一个背景:加泰罗尼亚语(catal)是西班牙加泰罗尼亚地区的官方语言之一,也是一种拥有千年以上历史的罗曼语族语言。在...

2026-08-31 5 views