في ليلة الأول من يناير، بينما تضجّ المدن حول العالم بالأضواء والموسيقى وصيحات “سنة جديدة سعيدة”، يجلس كثيرون في إثيوبيا بهدوء، وكأن شيئاً لم يحدث. لا احتفالات كبيرة، ولا عدّ عكسي على شاشات التلفاز، ولا حتى نخب خاص. بالنسبة لهم، رأس السنة لم يحن بعد. فهم لا يعتمدون التقويم الغريغوري الذي يتبعه معظم العالم، بل يعيشون وفق تقويم خاص بهم — التقويم الإثيوبي — الذي يجعلهم دائماً “متخلفين” بحوالي سبع أو ثماني سنوات عن باقي البشر.
هذا التقويم ليس مجرد أداة لقياس الزمن، بل هو انعكاس عميق لهوية ثقافية ودينية تمتد جذورها إلى العصور المسيحية المبكرة. يبدأ عامهم الجديد في 11 سبتمبر (أو 12 سبتمبر في السنوات الكبيسة)، وهو يوم يُعرف باسم "إنكيفا" Enkutatash، ويعني "هدية الجواهر"، مستوحى من قصة عودة الملكة ملكة سبأ إلى أرض الحبشة بعد زيارتها للملك سليمان، حيث استقبلها الشعب بالزهور والتحف. لكن الأهم من القصة الأسطورية هو أن هذا اليوم يصادف أيضاً نهاية موسم الأمطار وبداية موسم الحصاد، مما يجعله مناسبة طبيعية للتجديد والاحتفال.
التقويم الإثيوبي يتألف من 13 شهراً: اثنا عشر شهراً بـ30 يوماً لكل منها، وشهر صغير — "باجومي" Pagume — يحتوي على خمسة أو ستة أيام فقط. هذه البنية الفريدة ليست اعتباطية؛ فهي تعكس حسابات فلكية قديمة ترتبط بالتقويم القبطي المصري، الذي يعود بدوره إلى التقويم اليولياني الروماني. الفارق الزمني بينه وبين التقويم الغريغوري — حوالي 7 سنوات و8 أشهر — ناتج عن اختلاف في حساب سنة الميلاد، حيث يعتمد الإثيوبيون على تقديرات دينية مختلفة لوقت ولادة المسيح.
ما يثير الدهشة حقاً هو كيف يتعايش هذا النظام مع العالم الحديث. في إثيوبيا، لا يزال التقويم الرسمي المعتمد في الوثائق الحكومية والمؤسسات التعليمية والمناسبات الدينية هو التقويم الإثيوبي. حتى البنوك والمطارات تدرج التاريخين معاً. الزائر قد يجد نفسه يحجز رحلة طيران بتاريخ غريب، أو يوقع عقداً مكتوباً بعام “2017” بينما العالم الخارجي يعيش عام 2024. إنه نوع من التعايش السلمي بين زمنين: زمن محلي يحمل ذاكرة شعب، وزمن عالمي يفرض إيقاعه على الاقتصاد والتكنولوجيا.
لكن التقويم الإثيوبي ليس مجرد مسألة أرقام أو شهور. إنه رمز للمقاومة الثقافية الهادئة. في عالم يتجه نحو التوحيد وال стандرتة، تختار إثيوبيا أن تحتفظ بنظامها الخاص، ليس كتحدٍ، بل كتأكيد على أن هناك أكثر من طريقة لفهم الزمن. الوقت، كما يبدو، ليس خطّاً مستقيماً واحداً يمشي عليه الجميع، بل يمكن أن يكون دائرياً، مقدساً، ومربوطاً بالطبيعة والطقس والعبادة.
وفي النهاية، ربما لا يحتاج الإثيوبيون لأن يغيروا تقويمهم ليكونوا “على توقيت العالم”. فهم، بكل بساطة، يعيشون في زمنهم الخاص — زمن يبدأ بزهرة، وينتهي بغيمة، ويحتفل كل عام بعودة الضوء والخصوبة. وربما في هذا درس صغير لنا جميعاً: أن التقدم لا يعني دائماً التخلي عن الماضي، وأن الاختلاف لا يُصلح بالتصحيح، بل يُحتفى به كتنوع.
لماذا لا يحتفل الإثيوبيون برأس السنة في يناير؟
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/nl3o0gf1