في زقاق صغير بمدينة الدار البيضاء، يتجمّع أولاد الحي كل عصر حول تلفاز قديم في دكان البقالة، لا يفوتون دقيقة من مباراة فريقهم المحلي. في طوكيو، ترتدي سيدة مسنة قميص ناديها المفضل كل جمعة، رغم أنها لم تحضر مباراة في حياتها. وفي برشلونة، يقف سائح أمام متجر النادي لا لشراء تذكار، بل فقط ليشعر بأنّه أقرب إلى شيءٍ يجمع الناس أكثر مما يفرّقهم.
كرة القدم—أو "الكورة" كما يسميها الملايين من العرب—ليست مجرد رياضة. إنها لغة عالمية لا تحتاج ترجمة، وطقوس اجتماعية تُوارَث بين الأجيال، وأحيانًا، مرآة تعكس هموم مجتمعات بأكملها.
الغريب أنّك قد لا تعرف الفرق بين التسلل والركنيّة، وقد لا تستوعب لماذا يُطرد اللاعب حين يلمس الكرة بيده، لكنك مع ذلك تجد نفسك تهتف، تغضب، أو تفرح مع الجماهير. لأنّ الكورة، في جوهرها، ليست عن القوانين بقدر ما هي عن الانتماء. هي عن تلك اللحظة التي تتحول فيها الغربة إلى وطن مؤقت، حين يصير الغريب جارًا لأنّه يشجّع نفس الفريق.
تاريخيًّا، لم تكن كرة القدم دائمًا بهذا الحجم. بدأت كألعاب شوارع، ثم تحوّلت إلى صناعة بمليارات الدولارات، لكنّ جوهرها بقي بسيطًا: إنسان يركض خلف كرة، وآخرون يراقبونه وكأنّ مصيرهم معلّق بها. هذا التناقض—بين البساطة والتعقيد، بين الفرد والجماهير—هو ما يجعلها ساحرة.
وفي العالم العربي، تحمل الكورة طبقات إضافية من المعنى. فهي متنفّس في ظل ضغوط الحياة اليومية، ومنبرٌ للتعبير حين تضيق المساحات الأخرى. فكم من مباراة أنست الناس همومهم لساعتين؟ وكم من فوزٍ صغير لأحد الأندية المحلية أعاد الابتسامة إلى وجه حيٍّ كامل؟
لكنّ هذا لا يعني أنّها خالية من المشاكل. فالكورة أيضًا مرآة للعنف، للتحيّز، وللاستغلال أحيانًا. ومع ذلك، يعود الناس إليها دائمًا، ليس لأنّها مثالية، بل لأنّها حيّة. فيها الخيبة، والانتصار، والانتظار، والانفجار العاطفي—كلّ ما يجعل التجربة الإنسانية غنية.
ربما لهذا السبب، لا تحتاج الكورة إلى أن تكون "مُفهومة" لتُحبّ. مثل الموسيقى أو الفن، تؤثر قبل أن تُفسّر. وتبقى واحدة من القلائل التي تجمع الجدّيّ بالطفولي، السياسي بالعاطفي، المحلي بالعالمي—كل ذلك في 90 دقيقة، على مستطيل أخضر.
لماذا تُلهب كرة القدم مشاعر الملايين، حتى لو لم تكن تفهم قوانينها؟
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/nl3o07m3