كانت السماء فوق حديقة الأمراء تميل إلى اللون البنفسجي عند الساعة التاسعة وخمس دقائق مساءً، وكان أول ما لفت انتباه المتفرجين هو صفارة البداية التي صدحت بشكل غير مألوف – وكأنها تعلن عن شيء أكبر من مجرد مباراة في دوري أبطال أوروبا. لم يكن أحد يتصوّر أن لقاء «بي اس جي» ضد سلوفان براتيسلافا سيتحوّل إلى حكاية تُروى على مدى سنوات.
منذ الدقيقة الثالثة، بدا الأمر مختلفاً. مرر كيليان مبابي كرة بينية سريعة لم يكن لها أي منطق تكتيكي واضح، لكنها وجدت قدم أشرف حكيمي كأنها كانت تبحث عنها طوال الأسبوع. وقبل أن يدرك الحارس السلوفاكي أين وقف، كانت الكرة قد تهادت إلى داخل الشباك. هدف مبكر، نعم، لكن المفاجئ كان رد فعل الجماهير الباريسية: صمتٌ خفيفٌ استمر ثانيتين، ثم هتاف كأنهم خرجوا للتو من قاعة أوبرا. لم يكن هدفاً عادياً؛ كان بياناً مفتوحاً بأن شيئاً ما يتغيّر في هذه المجموعة.
أما سلوفان براتيسلافا، فقد أتت وهي تعلم تماماً أن العالم لا ينتظر منها إلا أن تؤدي دور «الضحية» بأدب. غير أن لاعبيها قرروا إعادة كتابة النص. في الدقيقة 27، استلم المهاجم الشاب ماريو سواني كرة عند حافة منطقة الجزاء، وبدلاً من التسديد البعيد المتوقع، مررها خلفية خفيفة إلى زميله تورغان أزكان، الذي لم يتردد في إطلاق صاروخ أرض-جوّ أودعته على يسار دوناروما. 1-1، والمفاجأة أصبحت رسمية.
بعد الهدف، ارتسمت على وجوه لاعبي باريس حيرة لم نشهدها منذ هزيمتهم أمام ريال مدريد قبل موسمين. لوحة التمريرات التي اعتادوا فرضها باتت تتكسر أمام ضغط ممنهج من الفريق الضيف. كلما حاول مبابي قطع الجناح الأيمن، ظهرت أمامه ثلاثة لاعبين يلبسون أزرقاً داكناً وكأنهم نسخ طبق الأصل من بعضهم البعض. كلما حاول فيتينيا التمرير العميق، عادت الكرة إلى أقدامهم وكأن الملعب يضيق.
في استراحة الشوط، لم يتحدث لويس إنريكي كثيراً مع مساعديه. كان يحدّق في لوحة التكتيكات ثم يشير إلى شاشة الجهاز اللوحي دون أن ينبس ببنت شفة. لكن عندما عاد اللاعبون إلى الملعب، تغيّر شيء بسيط وعميق في آنٍ معاً: انتقل باريس سان جيرمان إلى خطة 3-4-3 المرنة، مع انضمام أشرف حكيمي إلى العمق أحياناً لخلق تفوّق عددي في الوسط. النتيجة لم تتأخر: في الدقيقة 54، مرر مبابي كرة عرضية خادعة إلى برادلي باركولا، الذي سددها أولى لمسة في الزاوية البعيدة. 2-1، وباريس يستعيد زمام المبادرة، لكن بأسلوب مختلف هذه المرّة: أقل استعراضاً، وأكثر احتراماً للخصم.
لم يستسلم سلوفان براتيسلافا. في الدقيقة 71، نفّذ ركلة ركنية قصيرة سريعة انتهت عند قدم الظهير الأيسر لوكاش باشتينا، الذي رفع عرضية إلى منطقة الجزاء. هناك، ارتقى المدافع المتقدم لوكاس بيتساك أعلى من الجميع، وسدّد برأسه كرة ارتطمت بالعارضة وسقطت خلف خط المرمى. 2-2، والمباراة تدخل نفقاً جديداً من الإثارة.
عندها بدأت الجماهير الباريسية تهتف باسم مبابي بشكل متكرر، كأنهم يستدعون بطلاً من الماضي لينقذ اللحظة. لكن البطل الحقيقي كان آخر من يتوقعه أحد. في الدقيقة 86، مرر فيتينيا تمريرة عرضية من الجهة اليسرى، فارتقى لها المدافع ماركينيوس – نعم، المدافع – وسدّدها قوسية رائعة بقدمه اليسرى في الزاوية العليا. 3-2، وملعب حديقة الأمراء يهتز كأن الأرض تضحك.
لم يكن فوز باريس سان جيرمان مجرد ثلاث نقاط في دور المجموعات. كان درساً متعدد الأبعاد: كيف يتعامل فريق «مرشّح للفوز» مع مفاجأة غير متوقعة، وكيف يعيد صياغة نفسه في منتصف المباراة، وكيف يكتشف أن القوة الحقيقية لا تأتي من الاستعراض، بل من القدرة على الاحترام والتكيّف مع عدوّ لم يُعدّ له أحد حساباً.
في غرفة المؤتمر الصحفي بعد المباراة، قال لاعب وسط سلوفان براتيسلافا، يوري ميدفيديف، جملة ستُذكر طويلاً: «لقد جئنا لنلعب كرة القدم، لا لنؤدي دور الكومبارس في فيلم باهت». ربما كان هذا هو الخطاب الأهم في تلك الليلة، أكثر من أي تحليل تكتيكي أو إحصاء للتسديدات.
باريس سان جيرمان فاز، لكن سلوفان براتيسلافا خرجت وهي تحمل شيئاً أثمن من نقطة: احترام العالم لها، وذاكرة جماعية لن تُمحى بسهولة.
ليلة باريسية لم ترَ مثلها أبداً
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/nklo908x