في بيئة كرة القدم المصرية، نادراً ما تجد مساحة للرمادي. الجماهير لا تمنح نصف ثقة، ولا تقبل بنصف أداء. أنت إما السور المنيع الذي يُخلّد اسمه في البطولات، أو كبش الفداء الذي تُسلط عليه الأضواء عند أول هفوة. محمد أبو جبل عاش هذه المعادلة القاسية بكل تفاصيلها، ليكون أحد أكثر الحراس موهبة وجدلاً في جيله، وحارساً تتأرجح مسيرته بين لحظات السحر الخالص وضغوط لا يُحتمل وزنها.
حين نستعيد شريط الذاكرة للحديث عن أبو جبل، لا يمكننا تجاوز ما حدث في كأس أمم أفريقيا. تلك البطولة التي تحول فيها من حارس يشارك في منافسات محلية إلى جدار صد عربي وأفريقي. التصديات التي لا تُصدق، والتركيز في لحظات الجزاء، منحته هالة جعلت الجماهير تراه حارساً استثنائياً. في تلك اللحظات، كانت يداه تقرأان المستقبل قبل أن تُسدد الكرة. هذه ليست مبالغة، بل هي سمة الحراس الكبار الذين يملكون قدرة فطرية على فرض هيبتهم على منطقة الـ 18 متراً، وتحويل اليأس إلى أمل في ثوانٍ معدودة.
لكن السحر في كرة القدم لا يدوم طويلاً، خاصة حين ينتقل الحارس من عرش المنتخبات إلى دوامة الأندية. مسيرة أبو جبل مع الأندية – من إنبي وسموحة، مروراً بالزمالك، وصولاً إلى بيراميدز – تكشف عن وجه آخر للعبة. الانتقال بين الفرق الكبرى يعني الانتقال بين مجاهر مختلفة. في الزمالك على سبيل المثال، لا يُغفر للحارس الخطأ، والضغط الجماهيري والإعلامي يصل إلى مستويات تختبر الحالة النفسية لأي لاعب. هنا، ظهر أبو جبل بوجهه الإنساني المتأثر، أحياناً بانفعالاته الواضحة على أرض الملعب، وأحياناً بتأثره بالانتقادات اللاذعة التي قد لا يتحملها لاعب آخر.
مركز حراسة المرمى بحد ذاته هو مركز العزلة. حين يخطئ المدافع، يُغطيه زميله. وحين يخطئ الحارس، تنتهي الكرة في الشباك. أبو جبل لعب هذا المركز بـ "قلب مفتوح"، وهو ما يجعله مميزاً وهشاً في الوقت ذاته. حراس آخرون قد يخفون انفعالاتهم خلف قناع من البرود، لكن أبو جبل يعكس ما يدور داخله بشفافية. هذا الاندماج العاطفي مع المباراة هو نفسه ما يمنحه القدرة على إخراج تصديات خيالية تلعب على حدود المعقول، وهو نفسه ما يجعله هدفاً سهلاً للنقد حين يفشل أو حين تفقد الفريق توازنها.
ما تعلمناه من مسيرة أبو جبل ليس مجرد قصة عن حارس مرمى، بل هو مرآة تعكس واقع كرة القدم المحلية. بيئة تستهلك أبطالها بسرعة، وتطالبهم بالكمال في كل مباراة، ولا تملك ذاكرة طويلة مع من يخطئ. رغم كل التقلبات، والجلوس على دكة البدلاء أحياناً، والحملات الإعلامية المتضاربة، إلا أن أبو جبل يمتلك شيئاً لا يمكن تعليمه في الملاعب: القدرة على الحسم. حين يُتاح له الفرصة، يُثبت دائماً أنه يمتلك المفاتيح، وأن يديه لا تزالان تحملان تلك اللمسة السحرية التي افتقدتها الملاعب في أوقات كثيرة.
في النهاية، قد يختلف الجميع حول مستوى ثباته أو خياراته الفنية، لكن لا يمكن لأحد أن ينكر أنه حارس لا يشبه الآخرين. محمد أبو جبل اختار -أو فُرض عليه- أن يعيش على حافة الجبل، حيث الهواء أرق، والمجد أقرب، لكن السقوط فيه أقسى. وفي كرة القدم التي تعشق الدراما، ربما تكون هذه الحافة هي المكان الوحيد الذي يُصنع فيه البقاء في الأذهان.
محمد أبو جبل.. حارس المرمى الذي لا يعرف المنتصف
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/ngioykip