جنوب لبنان: الحياة لا تنتظر الهدنة

تفتح دكانة الخضار أبوابها في السابعة صباحاً كالمعتاد، حتى عندما تكون أصداء القصف لا تزال ترن في الجبال البعيدة. يفرش أبو خالد الطماطم والخيار بعناية على الرصيف، بينما تمر شاحنة عسكرية ثقيلة على الطريق المؤدي إلى بلدة بنت جبيل. لا يرفع رأسه. فالاعتياد هنا ليس خياراً، بل آلية بقاء.
في جنوب لبنان، الروتين ليس مؤشراً على الأمان، بل هو الشكل الذي تتخذه المرونة. تدرس المدارس بنصف طاقتها عندما تسمح الظروف، وتغلق فجأة عندما لا تسمح. يزرع الفلاحون أرضهم حتى خط التماس، ويحصدون محاصيلهم تحت مراقبة الطائرات بدون طيار. تتزوج البنات، وتُقام الأفراح في القرى الجبلية الصغيرة، والأغاني الدبكة تعلو فوق صوت المروحيات. الحياة هنا لا تتوقف لأن الصراع مستمر، بل تتدفق رغم استمراره.
الفرق بين ما يراه الزائر وما يعيشه السكان هو الفرق بين الخريطة والتضاريس. على الورق، هذا "مثلث حدودي" حساس. على الأرض، هو مسقط رأس، ومسار للمدرسة، وذاكرة الأجداد. يعرف أهل الجنوب جيداً أن الخط الأزرق على الخرائط الدولية لا يوقف نزيف الزيتون، ولا يحمي بساتين الحمضيات من القذائف العشوائية.
الهوية الجنوبية معقدة بشكل يصعب اختزاله في شعارات. فهي لبنانية بامتياز، مع لكنة تراثية واضحة، ومقاومة تاريخية متجذرة في أرض اغتُصبت ودُمّرت وأعيد بناؤها مرات. لكنها أيضاً متعبة: متعبة من دورة التدمير والإعمار، من شعارات لا تملأ الجيوب، من سياسيين يزورون القرى المنكوبة للتصوير ثم يختفون.
الاقتصاد محلي بامتياز. محال صغيرة، زراعة هامشية، أجور يومية. لا يتحمل أحد هنا رفاهية البطالة المقنعة. الشاب الذي لا يجد عملاً في مصنع النسيج يهاجر إلى بيروت أو أفريقيا. الجد الذي يفقد بيته يبني غرفة من الصفيح بجانب أنقاضه وينتظر. الانتظار هو المهارة الأخرى التي يتقنها الجنوبيون.
في المساء، تجلس النساء على المقاعد البلاستيكية أمام المنازل المتصدعة، تشرب القهوة وتتبادل الأخبار. الأخبار ليست سياسية بالضرورة. من مات، من تزوج، من رزق بمولود. هذه هي الشبكة الاجتماعية الحقيقية التي تضم المجتمع معاً عندما تنهار المؤسسات. تقدم الجارة طبخة لجارتها التي دُمرت مطبخها. يشارك الجميع الماء عندما تنقطع الشبكة. يتقاسمون المولد الكهربائي ويغضون الطرف عن الفروقات الطائفية الصغيرة.
السؤال الذي يطرحه الجنوب باستمرار هو: متى ينتهي؟ لكن السؤال الأكثر واقعية الذي يطرحه السكان هو: كيف نعيش حتى ينتهي؟ الإجابة تكمن في تلك الدكانة التي تفتح أبوابها كل صباح، في تلك المدرسة التي تُعاود الدرس بعد كل هدنة، في تلك الأرض التي تُزرع رغم كل شيء.
جنوب لبنان ليس مجرد منطقة نزاع. هو تجربة بشرية في الصمود، حيث يصبح الاستمرار اليومي شكلاً من أشكال المقاومة التي لا تُروى في التقارير الإخبارية.

Source: HotArticle

Original link: https://www.hotarticle24.com/ngioyf6j

Related Articles

Recommended For You

The Unseen Force in Sports: The Wild Card Standings

Article:
The wildcard standings, a term that often goes unnoticed but plays a crucial role in many sports leagues, ...

2026-09-19 9 views
Why Good Communications Matter More Than Ever

Communications shape almost every part of daily life, even when we barely notice them. A short message from a colleague

2026-08-26 9 views
When the Sky Turns Green: The Reality of a Severe Thunderstorm Warning

There is a distinct quality to the light just before a major storm breaks. The sky doesn’t merely darken; it often take...

2026-09-18 12 views
When Your Dividend Payment Is Actually an Entire Company

Most investors check their brokerage statements expecting to see a modest cash deposit from their quarterly dividend. Bu...

2026-09-21 2 views
Tarique Rahman: The Political Legacy and Influence of a Bangladeshi Leader

Tarique Rahman stands as a pivotal figure in the complex tapestry of Bangladeshi politics. As the acting chairman of the...

2026-08-31 6 views
What November Travel Reveals About Flying Singapore Airlines

November can be an unusually revealing month for air travel. It sits between the quieter autumn period and the rush of y...

2026-09-15 12 views