في زحام الأسماء التي تمرّ على الساحة الثقافية المصرية، لا يكاد القارئ يلتفت إلى من لا يحمل ضجيجًا إعلاميًا أو دعمًا مؤسسيًا كبيرًا. ومع ذلك، هناك دائمًا أصواتٌ هادئة تشق طريقها بثبات عبر الكلمة المكتوبة، لا عبر الصخب. من بين هذه الأصوات، تبرز مريم مجدي الهواري ككاتبة شابة اختارت أن تكتب دون أن تعلن عن نفسها، فكان عملها هو من قدّمها.
ليست مريم اسمًا مشهورًا في عناوين الصحف الكبرى، ولا وجهًا مألوفًا في البرامج الحوارية، لكن حضورها يظهر حيث يُقدَّر الأدب الحقيقي: في الدواوين الشعرية، في المقالات الفكرية، وفي المشاركات الأدبية التي تجمع بين الحساسية اللغوية والوعي الاجتماعي. بدأت رحلتها مع الكتابة مبكرًا، كعديد من الشباب الذين يجدون في الشعر ملاذًا من تعقيدات الواقع، لكنها سرعان ما تجاوزت مرحلة التعبير الشخصي إلى طرح أسئلة أوسع حول الهوية، الجسد، والمكان—خاصةً من منظور أنثوي لا يميل إلى الخطابية، بل يغوص في التفاصيل اليومية ليكشف عنها طبقاتٍ خفية من المعنى.
ما يميز كتابات مريم هو امتزاج البساطة بالعمق. فهي لا تستخدم لغة معقّدة لإبهار القارئ، بل تلجأ إلى صورٍ مستمدة من الحياة العادية—شباك مفتوح، قهوة ساخنة، حديثٌ عابر في حافلة—لتُحيك منها لحظاتٍ وجودية تلامس القارب. في أحد نصوصها، تصف صمت الأم بعد وفاة الابن ليس كغياب للكلام، بل كـ"لغةٍ لم تُخترع أحرفها بعد"، جملةٌ بسيطة تحمل ثقل الألم دون أن تصرخ به.
ولا تقتصر مساهمتها على الشعر. فقد شاركت في ورش عمل أدبية، وندوات فكرية، ومبادرات مجتمعية تهدف إلى دعم الكتّاب الشباب، خاصة الفتيات من خارج العاصمة أو من خلفيات اجتماعية لا تشجّع على التعبير الفني. هنا، تظهر مريم ليس فقط ككاتبة، بل كجزء من شبكة غير مرئية من المثقفات اللواتي يعملن بصمت لبناء فضاءٍ أدبي أكثر شمولًا وعدالة.
قد يقول قارئ إنها "لم تنل حقها من الشهرة"، لكن من يعرف طبيعة المشهد الثقافي المصري يدرك أن الشهرة ليست دائمًا مؤشرًا على الجودة. بل إن بعض الأصوات الأكثر أصالة هي تلك التي ترفض أن تتحول إلى علامة تجارية، وتفضل أن تبقى كلماتها هي الوحيدة التي تتحدث باسمها. ومريم مجدي الهواري، في هذا السياق، تختار طريق الكاتب الحقيقي: أن يُقرأ، لا أن يُروّج.
في زمنٍ تتسارع فيه الإيقاعات ويُقاس النجاح بعدد المتابعين، تبقى كتاباتها تذكيرًا بأن الأدب لا يُبنى على الضوضاء، بل على الصدق، والرؤية، والقدرة على جعل القارئ يرى العالم من زاويةٍ لم ينتبه إليها من قبل.
مريم مجدي الهواري: صوتٌ نسائي في قلب الحراك الثقافي المصري
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/n46ol37j