حين وصل خبر مقتله في أكتوبر 2011 إلى شوارع طرابس وبنغازي، لم يكن الليبيون يودعون حاكماً فحسب، بل كانوا يطوون صفحة امتدت اثنين وأربعين عاماً من تاريخ بلادهم. مشهد الرجل الأخير، الذي التُقطت صوره وهو أسير وملطخ بالدماء قبل لحظات من مصرعه، بدا وكأنه نهاية مكتوبة سلفاً لقصصة بدأت بانقلاب عسكري واعد في عام 1969 وانتهت في فوضى ثورية لم تستطع البلاد أن تستوعبها بعد.
لكن معمر القذافي لم يكن مجرد ديكتاتور آخر في قائمة طويلة. كان شخصية استثنائية التركيب، مزيجاً غريباً من الطموح الراديكالي والشخصية المسرحية والرؤية الأيديولوجية التي لا تكترث بالواقع. ومن يراجع حياته وسيرته يجد نفسه أمام سؤال أعمق من حكمه: كيف يستطيع رجل واحد أن يعيد تشكيل بلد بأكمله وفقاً لهواهه، ثم ينتهي به المطاف في تصريف متقصف سيارات محترق؟
الابن البدوي الذي قلب العرش
وُلد القذافي عام 1942 في خيمة قرب سرت، وسط عائلة بدوية متواضعة. هذا الأصل البدوي لم يكن تفصيلاً ثانوياً في حياته؛ بل كان العدسة التي رأى من خلالها نفسه والعالم. ظل طوال حياته يتباهى بحياته الصحراوية، ويرى في البداوة قيمة أصيلة تتفوق على الحياة الحضرية المترفة والمشوهة في نظره.
التحق بالكلية العسكرية في بنغازي، وهناك بدأ بذرته الفعلية تتشكل. تأثر بالناصرية وبالأفكار القومية العربية التي كانت تجتاح المنطقة آنذاك. قرأ كتب جمال عبد الناصر، وتأمل في ثورته، ووجد في النموذج المصري قالباً يمكن تكراره. لكن ما بدأ كإعجاب أيديولوجي تحول بسرعة إلى مشروع شخصي.
في الأول من سبتمبر 1969، بينما كان الملك إدريس الأول في رحلة علاجية خارج البلاد، قاد القذافي، الذي كان حينها ضابطاً برتبة ملازم، مجموعة من الضباط الأحرار واستولوا على السلطة دون إراقة دماء تُذكر. كان عمره سبعة وعشرين عاماً فقط.
السلطة بلا مؤسسات
ما ميز حكم القذافي عن غيره من الأنظمة العسكرية في المنطقة هو رغبته المبكرة في هدم فكرة الدولة المؤسسية نفسها. لم يكتفِ بالاستيلاء على السلطة؛ بل أراد إعادة تعريفها. في عام 1977، أعلن قيام "الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى"، وهو نظام قائم نظرياً على ما أسماه "السلطة الشعبية المباشرة".
في الكتاب الأخضر، الذي وضعه القذافي كمرجع أيديولوجي للنظام، تصور أن الديمقراطية النيابية احتيال، وأن الأحزاب والبرلمانات أدوات للاستبداد، وأن الشعوب يجب أن تحكم نفسها مباشرة عبر المؤتمرات الشعبية. لكن في الممارسة، كانت هذه البنية اللامركزية المعلنة قشرة رقيقة فوق نظام مركزي شديد التركيز في يد رجل واحد وحلفائه المقرّبين.
كان يطلق على نفسه لقب "القائد الأخ معمر"، ويرفض رسمياً أن يُلقّب بملك أو رئيس. لكن من يراقب الواقع الفعلي كان يرى أن السلطة كلها بيدة، وأن المؤتمرات الشعبية كانت مسارح لقرارات سبق اتخاذها، لا مؤسسات تشارك فيها.
هذا الترق بين الخطاب الرسمي والواقع العملي كان أحد أعمق تناقضات النظام. كان القذافي يصر على أنه ليس حاكماً، بينما كانت كل مقاليد القرارات في يده، من تعيين الوزراء إلى توجيه السياسة الخارجية إلى مراقبة الحياة اليومية للمواطنين.
النفط، الثروة، والسؤال الضائع
حين وصل القذافي إلى السلطة، كانت ليبيا قد بدأت لتوها تكتشف حجم ثروتها النفطية. خلال عقد السبعينيات، تضاعفت عائدات النفط بشكل هائل، ووجد النظام الجديد نفسه أمام تدفق مالي لم يسبق له مثيل في تاريخ البلاد.
لكن هذه الثروة لم تُترجم إلى بنية تحتية متينة أو اقتصاد متنوع أو مؤسسات تعليمية وبحثية تتناسب مع حجم الموارد. بُنيت مساكن ومدن جديدة، ووُزعت بعض الامتيازات، لكن النظام ظل يتعامل مع الاقتصاد وكأنه ملكية شخصية للقائد ولعائلته وللدائرة المحيطة به.
النتيجة بعد أربعة عقود كانت قاسية: بلد يطفو على بحر من النفط، لكنه يفتقر إلى القطاعات المنتجة الأخرى، ويستورد معظم ما يستهلكه، ويترك نسبة كبيرة من سكانه في حالة بطالة مزمنة أو اعتماد على الوظائف الحكومية الشكلية. الشباب الليبي الذين ولدوا في الثمانينيات والتسعينيات لم يعرفوا حياتهم إلا تحت ظل هذا النظام، ولم يجدوا لأنفسهم موقعاً حقيقياً فيه.
الراديكالية الخارجية وأثمانها
لم يكتفِ القذافي بالحديث عن الثورة في الداخل؛ بل جعل من ليبيا منصة للراديكالية الإقليمية والدولية. في السبعينيات والثمانينيات، دعم حركات مسلحة ومنظمات ثورية في دول متعددة، من الفلبين إلى أيرلندا، ومن فلسطين إلى أفريقيا. كان يرى في نفسه وريثاً لعبد الناصر، بل متفوقاً عليه، زعيماً عالمياً للثورة ضد الإمبريالية والصهيونية والرجعية.
لكن هذا النشاط التخريبي لم يكن بلا ثمن. في عام 1986، قصفت الطائرات الأمريكية مواقع في طرابلس وبنغازي رداً على اتهامات بدعم ليبيا للإرهاب. وفي عام 1988، وقعت كارثة لوكربي، حين انفجرت طائرة بان أم الأمريكية فوق سماء اسكتلندا، مما أدى إلى مقتل 270 شخصاً. اتهمت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ليبيا بالوقوف وراء العملية، وفرضت عقوبات دولية قاسية على البلاد.
هذه الفترة من الثمانينيات والتسعينيات كانت الأكثر عزلة في تاريخ ليبيا الحديث. البلد الذي كان يبيع نفطه ويستورد ما يحتاجه، وجد نفسه معزولاً عالمياً، تتضاؤل استثماراته الخارجية، ويغادر رعاؤله الأجانب. كان ثمناً باهظاً دفعته ليبيا، لا القذافي وحده.
الانعطاف والعودة من العزلة
مع مطلع الألفية الثالثة، بدا القذافي قد أدرك أن النمط القديم لم يعد مستداماً. انهيار الاتحاد السوفيتي، وصعود النظام الدولي بقيادة أمريكية بعد حرب الخليج الثانية، وصعود العولمة، كلها عوامل جعلت استمرار سياسة المواجهة غير مجدية.
في عام 2003، أعلنت ليبيا تنازلها عن برنامجها للأسلحة غير التقليدية، وسلمت معداتها النووية وكيميائية للمفتشين الدوليين. قبلت ليبيا دفع تعويضات لعائلات ضحايا لوكربي وغيرها. وعادت الشركات النفطية الغربية تدريجياً إلى البلاد.
هذا الانعطاف كان مفاجئاً لكثيرين، لكنه كان حركة براغماتية من زعيم أدرك أن لعبة البقاء تتطلب مرونة. حصل القذافي مقابل تنازلاته على رفع العقوبات، وعودة العلاقات الدبلوماسية مع لندن وواشنطن، وانفتاح اقتصادي محدود. بدا في تلك اللحظة وكأنه قد ضمن لنفسه مستقبلاً في السلطة.
لكن هذا الحساب تجاهل عاملاً جوهرياً: الشعب الليبي نفسه.
الربيع الذي لم يتوقع
حين اشتعلت الثورات في تونس ومصر في أواخر 2010 ومطلع 2011، بدا القذافي مطمئناً. قال في خطاب شهير إن الشعب الليبي يحبه، وأنه ليس رئيساً حتى يستقيل. لكن الأحداث أثبتت عكس ذلك. في فبراير 2011، بدأت الاحتجاجات في بنغازي، وسرعان ما تحولت إلى تمرد مسلح، ثم إلى حرب أهلية شاملة تدخلت فيها قوات الناتو.
ما حدث بعدها معروف: ثمانية أشهر من القتال، انهيار تدريجي لقوات النظام، اقتحام طرابلس في أغسطس، ثم النهاية في سرت في أكتوبر 2011. القذافي، الذي حكم البلاد اثنين وأربعين عاماً، قُتل وهو في السبعين من عمره، في مشهد بدا وكأنه نهاية فيلم عنيف لا حكاية دولة.
ما تبقى بعد الزعيم
اليوم، بعد أكثر من عقد على رحيله، لا تزال ليبيا تعاني من تركة النظام الطويلة. البلاد التي لم تُتح لها فرصة بناء مؤسسات حقيقية في عهده، وجدت نفسها بعد رحيله في فراغ مؤسسي شبه كامل. الجماعات المسلحة التي ظهرت خلال الثورة تحولت إلى ميليشيات متنافسة. البرلمانات والحكومات المتعاقبة لم تستطع أن ترسخ شرعية مستقرة. النفط الذي مول النظام السابق أصبح مصدر نزاع لا مصدر وحدة.
هذا الوضع ليس صدفة، بل هو الترجمة المباشرة لطريقة حكم القذافي. حين يكون كل شيء مركزاً حول شخص واحد، وحين لا تُترك مساحة لبناء مؤسسات تتجاوز الأفراد، فإن رحيل الشخص يعني انهيار البنية كلها. كان القذافي يكرر أن الجماهير تحكم نفسها، لكنه لم يبنِ الآلية التي تسمح لها بذلك فعلًا. وحين غاب، لم يكن هناك من يملأ الفراغ.
سؤال الإرث
تقييم معمر القذافي ليس مسألة بسيطة. ليس لأنه شخصية معقدة فحسب، بل لأن تقييمه يختلف باختلاف الزاوية. من زاوية الخلاصة النهائية، كان حاكماً استبدادياً قاد بلاده إلى كارثة. لكن من زاوية المسار التاريخي، كان هناك لحظات اعتُقد فيها أنه قادر على قيادة بلاده نحو تحديث حقيقي، خاصة في السنوات الأولى حين كانت عائدات النفط تتدفق والطموح قائماً.
لكن هذا الأمل تبخر بسرعة. الرجل الذي بدأ كضابط ثوري يحلم بتغيير بلده، تحول إلى زعيم لا يحتمل المشاركة، ولا يقبل النصح، ولا يثق إلا في دائرته الضيقة. الأفكار الجذرية التي حملها في شبابه، تحولت إلى قوالب جامدة لا تتجدد. الحلم النهضوي تحول إلى عبء.
في النهاية، قد يكون الدرس الأعمق من حياة القذافي ورحيله هو أن الزعيم الذي يذوب فيه الفرد، لا يبني وطناً. يبني تبعية. وحين يغيب، يغيب معه كل شيء. هذا ما حدث في ليبيا، وما زالت ليبيا تدفع ثمنه حتى اليوم.