في حرارة الشتاء الإيطالي، حيث تملأ أنفاس اللاعبين الساخنة هواء الملعب، يقف فريقان على أرضية ملعب فريولي في مدينة أوديني الصغيرة. من بعيد، قد تبدو هذه المواجهة مجرد لقاء كروي عابر في مسيرة الدوري الإيطالي الطويلة، ولكن لمن يعرف تاريخ الكرة في هذا البلد، فإن "أودينيزي ضد لاتسيو" تحمل نكهة خاصة يتذوقها عشاق كالتشيو منذ عقود.
ليس الأمر متعلقاً بالتنافس على المراكز المتقدمة دائماً، فكلا الفريقين يسكنان منطقة وسط الجدول في معظم المواسم، لكن فلسفة اللعب وجمالية المواجهة وغرابة الطريقة تضفي على هذا اللقاء طابعاً لا نجد نظيراً له في العديد من المباريات الأخرى. لاتسيو الطيور ذوو الجناح الأزرق القادمون من العاصمة الرومانية، يواجهون فريقاً صغيراً من الشمال الإيطالي يتميز بطريقة فريدة في التعامل مع الكرة كأنهم يرسمون لوحة فنية على العشب الأخضر.
تعود جذور هذه المواجهة إلى سنوات طويلة، حيث بنى كل فريق هويته الخاصة عبر مسيرته. فريق لاتسيو الذي تشبع بروح العاصمة الإيطالية بضجيجها وتنوعها وحتى فوضويها، يخرج لنا فريقاً يعكس هذا البريق العاصمي، وحين يقترن ذلك بشخصية قوية مثل ماوريسيو ساري سابقاً فإن "البيانكوتشيلستي" يقدمون كرة هجومية خلابة.
من الجهة الأخرى، يقف فريق مثل أودينيزي كتجربة فريدة في إدارة كروية في القرن الحادي والعشرين. نادي ذو ميزانية متواضعة ومدينة صغيرة، وضعوا نموذجاً مغايراً في التعاقد مع لاعبين شباب من مختلف أنحاء العالم ليتم صقلهم ثم الاستفادة من قدراتهم سواء في الملعب أو عبر البيع للفرق الكبرى. هذه السياسة مكّنت الفريق من تقديم كرة متحركة بالأفراد الهجوميين الموهوبين تجد فيها أداء تقنياً متميزاً في تمريرات قصيرة وحركة ذكية متوازنة بين الدفاع والهجوم.
حين يلتقي هذان النمطان، ننتظر دائماً مواجهة غير نمطية تتحدى توقعاتنا عن كرة القدم الإيطالية، فبدلاً من التمسكن في المنطقة الدفاعية والتعويل على الهجمات المرتدة التي هي السمة السائدة لدى عدة فرق صغيرة، نرى فريق أودينيزي الشمالي يسعى دائماً لفرض أسلوبه بمحاولة الهيمنة والبناء من الخلف أو بالضغط العالي حين فقد الكرة، طبيقة مبادئ كرة السلوك التصاعدية ولو تواجه فرقاً أكثر جاهزية منها من ناحية البدنية، فنحن هنا إزاء فريق يدرك نقاط ضعف جسدية يفوق حجمها قدراته التقنية.
أما لاتسيو العاصميون، فالمواجهة نوع من اختبار مدى القدرة على فرض الأسلوب الهجومي في ملعب خارجي، الأسلوب الذي طالما جعل من الرومانيين عرضة لنقد المعجبين الجزع في لحظات الهدر الهجومية وتراخي الدفاع في تحييد الخصوم. هي إذاً مواجهة تجمع بين فريق صاحب ثقافة كروية فريدة وجمهور متحمس في ملعبهم المتناهي الصغر نسبياً بالمقارنة مع منافسيهم، وخصم كبير الاسم ربما بحجم التضحيات.
وما يعمق دورية اللقاء وتواتره أكثر كجزء من النظام البيئي الكروي الإيطالي أن القنوات الرسمية لم تشهد يوماً ما يمكن وصفه بنسخة حادة من الاستقطاب المذهبي الملتهب، إذ تبقى المواجهة دائماً محاطة باحترام متبادل وتخلو من الحظور العنيف المشين للتي تتسم بها العديد من ديربيات البلاد. هذا الجو المتزن يسمح بالتركيز على الجانب التكتيكي والمهاراتي في اللقاء مما يعطيه قيمة فنية غنية.
الطريف أن نجد الفريقين حتى وإن تناوباً على الألقاب في مواسم معينة فإن المواجهة حافظت على شكلها تقريباً كموعد ثابت للنمط الكروي الجميل. فستكون قليلاً أن ندعوه بالكلاسيكيكو المصغر، ولكنه يعيد للأذهان حكمة الكرة الإيطالية: لكي تستمتع بالقدم لا يلزمك أن تكون دائماً في القمة. فهنا في مواجهة فريق متوسط مدعوم بفلسفة ذكية ضد فريق كبير يستعرض قدرته الفنية تقدم لنا كرة قدم حقيقية متعلقة بالأداء لا تعلقاً بلعنوان الفوز فقط.
وهكذا وكلما دارت كرة القدم علي صفحة ميدان فريولي، تتحول أودينيزي ضد لاتسيو لواحدة من المعنويات الصادقة للكرة الإيطالية حين تُرى كتابةً بالقدم لا بالمال ولا بالصوت العالي.
أودينيزي ضد لاتسيو: مواجهة كلاسيكية تتجاوز الملعب
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/n1iojyxl