لا تقتصر قيمة البرامج الاجتماعية على مجرد نقل قصص الناس أو عرض مآسيهم، بل تكمن في كيفية استيعاب هذه القصص وترجمتها إلى وعي جمعي. في خضم الزحام الذي تشهده الشاشات العربية، وتحديدًا المصرية، تبرز أسماء اختارت أن تسلك طريقاً مغايراً لطغيان "التريند" والصراعات المباشرة. الإعلامية مها الصغير هي واحدة من تلك الأسماء التي نجحت في بناء حضور مهني يجمع بين الصرامة الصحفية والدفء الإنساني، لتقدم نموذجاً مختلفاً في تقديم المحتوى الاجتماعي.
تتعامل مها الصغير مع القضايا الأسرية – من زواج، طلاق، تربية، وخلافات عائلية – بحساسية لافتة ونضج إعلامي. في عالم يعج بالاستغلال العاطفي لمآسي الضيوف بحثاً عن نسب المشاهدة، تختار مها أن تكون مستمعة أولاً قبل أن تكون مقدمة. هذا الأسلوب لا يقلل من حدة الطرح، بل يمنح الضيف مساحة ليروي قصته بكرامة، ويجعل المشاهد يشعر بأن هناك من ينظر إليه كإنسان، لا كمجرد مادة إعلامية قابلة للاستهلاك.
إذا تأملنا لغة الجسد وطريقة إدارة الحوار في البرامج التي تتولاها، نجد هدوءاً مقصوداً. فهي لا تحاول سرقة الأضواء من ضيوفها، ولا تعتمد على المقاطعات المتكررة لإثبات حضورها. في المقابل، تطرح الأسئلة المباشرة التي قد يخجل المشاهد من طرحها، بأسلوب رصين ومباشر دون تجريح. هذه القدرة على الموازنة بين "التعاطف" و"الموضوعية" هي ما يجعل المحتوى الذي تقدمه قابلاً للتصديق لدى شريحة واسعة من الجمهور، خاصة النساء اللواتي يجدن في هذه المنابر مرآة تعكس معاناتهن اليومية وتقدر وعيهن.
إن تأثير الإعلاميين أمثال مها الصغير يتجاوز حدود الحلقة التليفزيونية. فالقضية التي تُطرح على الشاشة، إذا ما نُوقشت بعقلانية وتجرد، قد تساهم في تغيير قناعات مجتمعية راسخة، أو على الأقل، كسر الصمت المفروض حول كثير من المشكلات التي ظلت طويلاً حبيسة أدراج المحاكم وجدران المنازل. في مجتمع سريع التغير، حيث تتداخل الأعراف القديمة مع المتطلبات الاقتصادية والاجتماعية الحديثة، يصبح الدور الصحفي هو "التنوير" وتوضيح الرؤى، وليس مجرد "الترفيه" أو الإثارة.
في المحصلة، لا تُقاس نجاحات الإعلاميين بعدد الفواصل الإعلانية أو ضجيج منصات التواصل الاجتماعي، بل بعمق الأثر الذي يتركونه في وجدان المشاهد. مها الصغير، بخبرتها الصحفية وحضورها الهادئ، تذكرنا بأن الشاشة يمكن أن تكون مساحة للصدق، وأن الكلمة الطيبة والتحليل المتزن قادران على الوصول إلى العقول رغم ضجيج العصر.
مها الصغير.. حين تتحول الشاشة إلى مساحة آمنة للحوار الاجتماعي
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/n1iojm48