كيف يدير الانتقالي دولة الأمر الواقع من دون أن يعلنها

بدأت القصة قبل نحو سبع سنوات حين تحولت شوارع عدن إلى مسرح مفتوح. لم تكن مجرد احتجاجات عابرة أو موجة غضب سرعان ما تخفت. ما حدث آنذاك أعاد تشكيل الجغرافيا السياسية لجنوب اليمن برمته، ووضع اسم "المجلس الانتقالي الجنوبي" في صلب أي نقاش حول مستقبل البلاد. لكن ما يثير الفضول فعلاً ليس كيف تشكل المجلس، بل كيف تحول خلال سنوات قليلة من كيان احتجاجي إلى سلطة أمر واقع تمارس الحكم اليومي، تدير المؤسسات، وتتفاوض مع العالم الخارجي، دون أن ترفع رسمياً شعار الانفصال الكامل.
في عدن، يمكن لأي زائر أن يلاحظ المفارقة بسرعة. ثمة حكومة معترف بها دولياً يفترض أنها تدير المدينة، لكن الشارع يعرف أن القرار الحقيقي يصدر من جهة أخرى. تراخيص البناء، تعيينات المسؤولين، المنافذ البرية والبحرية، حتى التقارير الأمنية، تمر جميعها عبر قنوات يسيطر عليها الانتقالي. هذه الازدواجية ليست فوضى بالضرورة، بل تبدو أحياناً أشبه بنظام حكم موازٍ يُدار بهدوء وتدرج.
الملاحظة الأساسية هنا أن المجلس لم يحاول يوماً تقديم نفسه بوصفه مجرد حامل لواء القضية الجنوبية. منذ اللحظة الأولى، عمل على بناء هياكل إدارية وأمنية موازية للدولة، مستفيداً من فراغ تركته الحكومات المتعاقبة التي كانت تعاني أصلاً من هشاشة مزمنة. حين تنهار الخدمات في مدينة، وحين يطول انقطاع الكهرباء ويختفي الوقود، يتجه الناس تلقائياً نحو الجهة القادرة على تقديم الحل، بغض النظر عن شرعيتها الرسمية. هذا بالضبط ما حدث ويحدث في مناطق سيطرة الانتقالي.
ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً أن الانتقالي لا يتصرف كفصيل مسلح تقليدي يكتفي بالسيطرة الميدانية. ثمة محاولة واضحة لخلق شرعية إدارية موازية. هناك إعلام منظم يخاطب الجمهور المحلي والدولي. ثمة خطاب سياسي يتأرجح بمهارة بين التأكيد على الشراكة في إطار الدولة اليمنية، والتلويح الدائم بحق تقرير المصير. هذه الازدواجية ليست ارتباكاً فكرياً بقدر ما هي استراتيجية محسوبة تتيح للمجلس البقاء في منطقة رمادية مربحة: فهو شريك في الحكومة حين يحتاج الاعتراف الخارجي والموارد، وهو صاحب القرار المنفرد حين يتطلب الأمر ترسيخ السيطرة على الأرض.
في لقاءات خاصة، يتحدث أعضاء في المجلس بلغة براغماتية تخلو من الشعارات الحماسية التي تملأ بياناتهم الرسمية. ثمة إدراك عميق بأن الإقليم والعالم لن يقبلا بانفصال أحادي الجانب في الظرف الراهن، وثمة يقين مقابل بأن استعادة دولة الوحدة المركزية بالصيغة القديمة لم تعد ممكنة. بين هذين القطبين تتحرك سياسة الانتقالي، ليس نحو الهدف النهائي المعلن، بل نحو تراكم يومي للنفوذ يجعل أي تسوية مستقبلية مضطرة للتعامل معه كأمر واقع لا يمكن تجاوزه.
العلاقة مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تشكل مفتاحاً لفهم هذه الديناميكية. الدعم الإماراتي تحديداً لم يقتصر على الجانب العسكري، بل امتد إلى بناء مؤسسات كاملة، تدريب كوادر، تمويل مشاريع خدمية، وتوفير غطاء سياسي في لحظات حرجة. هذا الدعم منح الانتقالي استقلالية نسبية عن الحكومة المركزية، وجعله نداً حقيقياً في أي مفاوضات، وليس مجرد طرف ينتظر تنازلات من صنعاء. لكنه في الوقت نفسه يضع سقفاً لتحركات المجلس. الإمارات، وبدرجة أقل السعودية، لا تريدان تفكيك اليمن رسمياً، لكنهما تريدان شريكاً جنوبياً قوياً يضمن مصالحهما في الممرات البحرية والجزر الاستراتيجية.
التحدي الحقيقي الذي يواجه الانتقالي ليس عسكرياً أو سياسياً بالدرجة الأولى. التحدي هو كيف يحول السيطرة الأمنية والإدارية إلى مشروع دولة فعلي يقدم خدمات واقتصاداً مستقراً. المواطن العادي في عدن أو أبين أو الضالع لا يكترث كثيراً للتصريحات السياسية إذا لم يجد كهرباء أو رواتب منتظمة. هنا تكمن المعضلة: إدارة التوقعات أصعب بكثير من إدارة المعارك. الانتقالي نجح في فرض وجوده، لكنه الآن محكوم بنجاحه ذاته. الناس يتوقعون منه ما يتوقعونه من دولة كاملة، بينما إمكانياته ما زالت محدودة بإطار كيان لا يمتلك اعترافاً دولياً ولا موارد سيادية مستقرة.
ثمة مفارقة تستحق التأمل: المجلس الذي قام على رفض المركز الشمالي يجد نفسه مضطراً لممارسة المركزية ذاتها في مناطق سيطرته. أصوات بدأت تعلو من حضرموت والمهرة وشبوة تطالب بنوع من التمايز وعدم الذوبان في مشروع عدن. هذا ليس تهديداً وجودياً للانتقالي، لكنه يذكّر بأن جغرافيا الجنوب ليست كتلة واحدة، وأن بناء إجماع داخلي لا يقل صعوبة عن مواجهة الخصوم في الشمال.
في المحصلة، يقف المجلس الانتقالي الجنوبي اليوم في نقطة حرجة. لم يعد مجرد حركة احتجاج، ولم يصبح بعد دولة. بين هاتين الحالتين تتحرك كل قراراته وتوازناته. بعض المراقبين يرون أنه يؤسس لانفصال ناعم يمتد سنوات طويلة. آخرون يعتبرون أن قبضته قد تنزلق إذا تغيرت التحالفات الإقليمية أو تضاءل الدعم الخارجي. ما يبدو مؤكداً أن أي حديث عن مستقبل اليمن لا يمكن أن يكون جدياً إذا تجاهل هذا الكيان الذي فرض نفسه، لا بالشعارات وحدها، بل بمنطق الإدارة اليومية الذي قد يكون أقوى من أي دستور مؤقت.

Source: HotArticle

Original link: https://www.hotarticle24.com/5xko14pw

Recommended For You

Eugenie: A Name That Carries Memory and Character

Eugenie is the kind of name that feels familiar even before you can place it. It has an old-world grace, but it does not

2026-08-26 12 views
അഹാന കൃഷ്ണ: മലയാള സിനിമയിൽ സ്വന്തം വഴി തേടിയ നടി

മലയാള സിനിമയുടെ പുതിയ തലമുറയിൽ ശ്രദ്ധിക്കപ്പെട്ട ഒരു മുഖമാണ് അഹാ...

2026-09-10 10 views
When Two Football Worlds Collide: Albion Meets River Plate

A fixture listed as "Albion – River Plate" carries a peculiar weight. On paper, it looks like a simple lineup, two name...

2026-10-02 5 views
The Complete Guide to Darts: Rules, Equipment, Techniques, and Tips for Every Player

Darts is one of those rare games that bridges the gap between casual pub entertainment and serious competitive sport. Wh...

2026-08-29 13 views
Racing vs. Track Days: What Changes When Driving Becomes Competition

For many drivers, the line between a spirited track day and actual racing looks thin from the outside. Both happen on ci...

2026-09-05 6 views