قليلون هم الأشخاص الذين ارتبطت أسماؤهم بهجمات 11 سبتمبر 2001 بقدر ارتباط خالد شيخ محمد بها. فما إن يُذكر اسمه حتى تتبادر إلى الأذهان صور الأبراج المحترقة، والمحاكمات العسكرية الطويلة، والنقاشات المحتدمة حول التعذيب والعدالة التي شغلت الرأي العام الأمريكي والعالمي لأكثر من عقدين. لكن من هو هذا الرجل فعلاً؟ وكيف انتقل من مقاعد الدراسة في أمريكا إلى قيادة أخطر عملية إرهابية في التاريخ الحديث؟ هذا ما تحاول هذه المقالة توضيحه.
من هو خالد شيخ محمد؟
وُلد خالد شيخ محمد في الأول من مارس عام 1965 في الكويت، لعائلة من أصول بلوشية باكستانية. قضى طفولته في بيئة خليجية، ثم غادر إلى الولايات المتحدة في شبابه المبكر لاستكمال الدراسة، والتحق بجامعة ولاية كارولينا الشمالية الزراعية والتقنية، حيث حصل على درجة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية عام 1986.
هذه المرحلة التعليمية الأمريكية تثير الدهشة دائماً؛ فكيف لشاب درس في جامعات أمريكا وأتقن اللغة الإنكليزية أن يتحول لاحقاً إلى واحد من أكثر المطلوبين على وجه الأرض؟ يبدو أن خبرته في الحياة الغربية منحته لاحقاً ميزة لم يستخدمها مطلقاً لأغراض إيجابية، بل وظفها في فهم كيفية عمل المجتمع الأمريكي وأمنه، وهو ما استفاد منه كثيراً في عمليات التخطيط والتنقل والاختباء.
كيف تحول إلى العمل العنيف؟
بعد تخرجه، لم يستقر خالد شيخ محمد في حياة جامعية هادئة، بل انجذب إلى أجواء الصراع في أفغانستان، حيث وصل إليها خلال الحرب ضد الاحتلال السوفييتي. لم تكن تلك الفترة مجرد مرحلة عابرة، بل وضعته في دائرة الشبكات الجهادية التي كانت تتشكل في ذلك الوقت، وجعلته على تواصل مباشر مع شخصيات أصبحت لاحقاً من قيادات القاعدة.
في التسعينيات، تعمق أكثر في العمل العسكري السري، وكانت له صلة وثيقة بابن أخته رمزي يوسف، الذي نُفذت على يديه عملية تفجير مركز التجارة العالمي عام 1993. وتعاون الرجلان معاً في ما عُرف لاحقاً باسم "مؤامرة بوجينكا" عام 1994 و1995، وهي خطة طموحة كانت تتضمن تفجير اثنتي عشرة طائرة أمريكية فوق المحيط الهادئ، واغتيال الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون والبابا يوحنا بولس الثاني خلال زيارتيهما للفلبين، بل والاصطدام بطائرة في مقر وكالة الاستخبارات المركزية.
فشلت الخطة بعد أن انكشفت تفاصيلها إثر حريق اندلع في شقة في مانيلا كانت تستخدم كمختبر لصنع المتفجرات، وسارعت السلطات الأمريكية إلى توجيه اتهامات رسمية إلى خالد شيخ محمد، وبدأت حقبة طويلة من مطاردته.
فكرة الطائرات كصواريخ
لم تكن العلاقة بين خالد شيخ محمد وأسامة بن لادن علاقة تابعة خالصة في البداية. ففي منتصف التسعينيات، عرض خالد شيخ محمد على بن لادن فكرة جريئة تعتمد على استخدام الطائرات المدنية المختطفة كصواريخ توجه نحو مبانٍ أمريكية رئيسية. في البداية لم يقتنع بن لادن بالفكرة، لكنه عاد لاحقاً وأعطى الضوء الأخضر لها، لتصبح نواة ما عرف بهجمات 11 سبتمبر.
الدور الذي لعبه خالد شيخ محمد لم يكن تمويلياً فقط، بل كان أكثر شمولاً. فقد أشرف على اختيار الخاطفين، وساعد في تدريبهم، ونقل الأموال، ونسّق عمليات الدخول إلى الولايات المتحدة، واستخدم في ذلك سلسلة من الأسماء الحركية، أشهرها "مختار". وذكر تقرير لجنة التحقيق في هجمات 11 سبتمبر أنه "المهندس الرئيسي" للهجمات، وهو تعبير ظل ملازماً له طوال السنوات التالية.
من المهم هنا توضيح نقطة يغفل عنها كثيرون: الأهداف الأربعة في ذلك اليوم لم تكن جميعها مصممة منذ البداية على النحو الذي وقع به التنفيذ. فإلى جانب برجي مركز التجارة العالمي ومبنى البنتاغون، كانت هناك وجهة رابعة يُرجح أنها مبنى الكابيتول الأمريكي، لكن ركاب الرحلة 93 تصدوا للخاطفين، وتحطمت الطائرة في حقل بولاية بنسلفانيا.
المطاردة والقبض
بعد هجمات 11 سبتمبر، دخل خالد شيخ محمد في حالة اختباء شديد، متنقلاً بين باكستان وأفغانستان تحت هويات متعددة. وضعت الولايات المتحدة مكافأة قدرها 25 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تقود إلى اعتقاله، واعتبرته واحداً من أخطر المطلوبين في العالم.
في الأول من مارس عام 2003، أُلقي القبض عليه في مدينة روالبندي الباكستانية، في عملية مشتركة بين الاستخبارات الباكستانية ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. كانت التفاصيل التي تسربت عن العملية مثيرة؛ فقد تمكنت فرق الاقتحام من الوصول إليه في اللحظات الأخيرة تقريباً، بعد أن ظنوا أنهم أخطأوا الهدف، ليعثروا عليه مختبئاً في منزل كان يبدو من الخارج عادياً تماماً.
اعتقاله لم يكن نهاية القصة، بل بداية فصل أكثر تعقيداً. فقد نُقل خالد شيخ محمد إلى سلسلة من السجون السرية التي تديرها الاستخبارات المركزية في دول أوروبية وآسيوية، حيث خضع لأساليب استجواب مثيرة للجدل. وكشفت تقارير لاحقة أنه تعرض لعملية الإيهام بالغرق، المعروفة باسم "الووتربورد"، عشرات المرات، إضافة إلى الحرمان من النوم وتقنيات أخرى صُنفت لاحقاً كأشكال من التعذيب في تقارير رسمية.
الانتقال إلى غوانتانامو والمحاكمة
عام 2006، نُقل خالد شيخ محمد إلى قاعدة غوانتانامو البحرية الأمريكية في كوبا، حيث احتُجز إلى جانب عدد من المتهمين الآخرين في قضايا إرهاب. وهناك واجه لأول مرة نظاماً قضائياً رسمياً من نوع خاص، هو "اللجان العسكرية"، وهو النظام الذي أُنشئ لمحاكمة المحتجزين الأجانب خارج إطار المحاكم الفيدرالية العادية.
في عام 2008، وُجهت إليه التهم رسمياً، وشملت جرائم الحرب والقتل العمد وانتهاك قوانين الحرب. وخلال جلسة استماع في أغسطس من العام نفسه، أطلق عبارته الشهيرة التي اعتبرها كثيرون اعترافاً صريحاً: "أنا مسؤول عن عملية 11 سبتمبر من الألف إلى الياء". لم تكن العبارة مجرد اعتراف بالمسؤولية، بل جاءت في سياق محاولة منه لاستعراض دور تاريخي، وفق ما رأى بعض المحللين.
بعد ذلك، عُقدت جلسات ما قبل المحاكمة في غوانتانامو عام 2012، لكن الإجراءات تعثرت مراراً وتكراراً. وتنوعت أسباب التعثر بين إشكالات قانونية تتعلق بطريقة استخلاص الاعترافات تحت التعذيب، ورفض بعض القضاة قبول أدلة اعتُبرت ملوثة، ومسائل إجرائية لا تنتهي. ظل المتهمون الذين ينتظرون المحاكمة مرتبطين بجدول زمني مفتوح، بينما توارى مسؤولو الإدارة الأمريكية خلف تعقيدات أمنية وقانونية.
صفقة الإقرار بالذنب وما بعدها
في صيف عام 2024، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية التوصل إلى اتفاق إقرار بالذنب مع خالد شيخ محمد واثنين من المتهمين في قضية 11 سبتمبر، وهما وليد محمد بن عطاش ومصطفى أحمد آدم الحوساوي. وبموجب الاتفاق، كان من المتوقع أن يقبل المتهمون الأحكام بالسجن المؤبد مقابل إغلاق ملف القضية، ما أثار ردود فعل متباينة بين عائلات الضحايا الذين رأوا فيه وسيلة لتجنب عقوبة الإعدام، وآخرين اعتبروه فرصة أخيرة لإغلاق هذا الملف المؤلم.
غير أن الأمور لم تسر بسلاسة. فبعد أيام من الإعلان، أصدر وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن قراراً بإلغاء الاتفاق، مبرراً ذلك بحساسية القضية وضرورة عمل مراجعة أوسع. لكن القاضي العسكري المشرف على القضية رفض لاحقاً قرار الإلغاء، معتبراً أن الاتفاق كان صحيحاً قانونياً، وما زالت القضية حتى هذه اللحظة غارقة في معارك قضائية بين السلطات التنفيذية والمحاكم العسكرية، دون أن يحسم مصير المتهمين نهائياً.
أسئلة تظل مشروعة
على الرغم من مرور أكثر من عقدين على هجمات 11 سبتمبر، ما يزال الملف محفوفاً بالأسئلة. هل كان خالد شيخ محمد وحده صاحب القرار، أم أن وصفه بـ"العقل المدبر" يبسط صورة تنظيم القاعدة الذي كان يعمل بطريقة جماعية أكثر مما يوحي به هذا اللقب؟ هل يمكن اعتبار الاعترافات التي انتُزعت تحت تعذيب وجيهة أمام أي محكمة تحترم نفسها؟ وهل أهدرت سنوات المحاكمة الطويلة الفرصة على عائلات الضحايا التي أرادت رؤية العدالة تنفذ؟
ما لا يمكن الجدال فيه أن قصة خالد شيخ محمد ليست مجرد سيرة شخص متهم، بل هي مرآة لمرحلة كاملة عاشتها الولايات المتحدة بعد أحداث سبتمبر، مليئة بالتوازنات الصعبة بين الأمن والحرية، وبين الانتقام والعدالة، وبين سرعة تنفيذ العدالة وضمانات المحاكمة العادلة. هذه المعضلات لم تنتهِ بإنهاء قصة الرجل الذي جسّدها في وسائل الإعلام، بل ستبقى مفتوحة للنقاش في السنوات الطويلة القادمة.
خالد شيخ محمد: من التخطيط لهجمات 11 سبتمبر إلى قفص الاتهام في غوانتانامو
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/5w7ofpp2