في شقة مستأجرة بأحد أحياء عمان الشرقية، يجلس خالد (مهندس مدني، 32 عاماً) مع خطيبته التي صارت "خطيبته السابقة" قبل أسبوع. السبب؟ ليست خلافات أو تغير مشاعر، بل عقدة إيجار الشقة. بعد ثلاث سنوات من الادخار، وجد أن ما جمعه يكفي فقط لـ"دفعة التأمين" و"الكفالة المصرفية"، بينما تضاعفت أسعار الإيجارات ثلاث مرات منذ بدء خطبتهم. القصة ليست فريدة. في القاهرة، الرياض، الدار البيضاء، وغيرها، أصبح "السقف" حلماً يتطلب معجزة أكثر مما يتطلب دخلاً مستقراً.
لنكن صريحين: الإسكان لم يعد مجرد "مشكلة اجتماعية" يمكن حصرها في تقارير حكومية. هو الآن المفتاح الذي يفتح أو يغلق أبواب الزواج، والاستقرار النفسي، وحتى القرارات السياسية للأفراد. الشاب الذي لا يجد شقة يؤجل زواجه. العائلة التي لا تملك مسكناً تضطر لتقسيم غرفة المعيشة إلى غرفتي نوم. الموظفة التي تنقل مدنها بحثاً عن إيجار أرخص تفقد شبكة الأمان الاجتماعي الذي كانت تعتمد عليه.
اللافت أن معظم خطط الإسكان الرسمية تتحدث عن "وحدات سكنية" و"مشاريع ضخمة" و"صناديق تمويل". لكنها نادراً ما تسأل: من يعيش في هذه الوحدات؟ وكيف يبدو يومه؟ الواقع يقول إن الكثير من هذه المشاريع تتحول إلى "مدن نائمة" بعيدة عن فرص العمل، أو أن شروطها التمويلية تستبعد من كانوا المستهدفين أصلاً. بينما تزدهر "الإسكان العشوائي" لأنه يقدم ما لا تقدمه الخطط الرسمية: موقعاً قريباً من مصدر الرزق، ومرونة في الدفع، ومجتمعاً متكاملاً.
في ضواحي بغداد، تنتشر "المناطق السكنية غير الرسمية" التي بنيت على أراضٍ حكومية دون تراخيص. السلطات تتغاضى أحياناً، وتقوم بهدم أحياناً أخرى. لكن السكان يبنون من جديد. لأن البديل ليس "شقة نظامية"، بل هو الشارع. هنا تكمن الحقيقة المؤلمة: سياسات الإسكان التي لا تستند إلى فهم معيشة الناس ليست فقط غير فعالة، بل هي تخلق أزمات جديدة.
الحلول المبتكرة تأتي غالباً من القاعدة، لا من القمة. في تونس، ظهرت "التعاونيات السكنية" حيث يجتمع عشرات الأسر لشراء أرض وبناء عمارات سكنية بإشراف هندسي مشترك، يقلل التكلفة بنسبة 30-40٪. في المغرب، برامج "إعادة تأهيل المدن العتيقة" لم تكن فقط عن ترميم حجارة، بل عن خلق سكن ملائم يحافظ على النسيج الاجتماعي. في الضفة الغربية، تطورت "قرى الأجداد" حيث يبنى الشباب غرفاً صغيرة بجوار منازل أهلهم لتجنب تكاليف الأرض.
كل هذه المبادرات تشير إلى نقطة واحدة: الإسكان الحقيقي لا يبدأ بالأسمنت، بل بالسؤال "ماذا يحتاج الناس لتشعر بالاستقرار؟". الإجابة لا تكون دائماً "شقة من ثلاث غرف". قد تكون "ضمان ألا يرفع صاحب العقار الإيجار كل ستة أشهر". أو "وجود مدرسة قريبة لأطفالي". أو "أن أعرف جاري بالاسم".
التحدي الأكبر ليس نقص الأموال فقط، بل نقص الخيال. نحتاج إلى تخيل نماذج إسكان لا تعتمد على ملكية فردية فقط، بل على استخدام مرن، وتعاون مجتمعي، وسياسات تفهم أن السكن حق، لكن الاستقرار هو الهدف. هذا يعني إعادة النظر في قوانين الإيجار، وتشجيع نماذج "الإيجار طويل الأمد"، وتسهيل بناء وحدات صغيرة ضمن الأحياء القائمة، بدلاً من بناء مدن جديدة على أطراف المدن.
قبل عقدين، كان حلم "الشقة" يعني البداية. اليوم، أصبح يعني النهاية لكثيرين. ليس نهاية الأمل، بل نهاية مرحلة الانتظار التي امتدت لسنوات. وربما، إذا غيرنا الطريقة التي نتحدث بها عن الإسكان، من إحصائيات إلى قصص بشر، من مشاريع ضخمة إلى حلول صغيرة، من "وحدات" إلى "ناس"، قد نجد أن السقف ليس بعيداً كما نظن.
البحث عن سقف: الإسكان بين أرقام الوزارات وحقائق الناس
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/5w7o76ig