حين يذكر اسم «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» في أي حوار عربي، نادراً ما يمر الذكر مروراً هادئاً. المؤسسة التي طالما شكّلت واجهة مرئية للسلطة الدينية في المملكة العربية السعودية أصبحت رمزاً متعدد الدلالات: مُرعباً لبعض من عايش تدخلاتها المباشرة، ومُطمئناً لمن رأى فيها حارساً للهوية المجتمعية، ومحوراً لجدل لا ينتهي حول حدود الدولة والدين والفرد. لكن ما يُغفل كثيراً هو أن قصة هذه الهيئة ليست ثابتة؛ إنها قصة مؤسسة تتشكّل وتُعاد صياغتها باستمرار، وآخر فصولها قد يكون الأكثر إثارة للتفكير.
من النص إلى المؤسسة
مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس اختراعاً سعودياً. إنه مفهوم قرآني أصيل، ورد في آيات محكمات وفي أحاديث نبوية، ودفع علماء عبر القرون إلى استنباط أحكامه وحدوده وشروطه. لكن تحويل هذا المبدأ من واجب فردي أو جماعي إلى مؤسسة رسمية تتبع الدولة وتملك صلاحيات إنفاذية، ذلك حدث في السياق السعودي تحديداً.
تأسست الهيئة رسمياً عام 1940 بمرسوم ملكي في عهد الملك عبدالعزيز، لكن جذورها العملية تعود إلى ما قبل ذلك، حين شكّل الملك فرقاً لحث الناس على الصلاة ومنع المنكرات الظاهرة كجزء من مشروعه لتوحيد البلاد وبناء الدولة. وقتها، كان المجتمع بسيطاً والعلاقات قبلية، ولم يكن غريباً أن تُمارس السلطة الدينية دوراً ضابطاً يكمل عمل السلطة السياسية.
سنوات الذروة: حين كان للهيئة حضور في كل زاوية
خلال العقود التي تلت، نمت صلاحيات الهيئة وتوسعت. في الثمانينيات والتسعينيات، كان رجال الهيئة جزءاً من المشهد اليومي للشوارع السعودية: يطاردون المتأخرين عن الصلاة، يمنعون الاختلاط في الأسواق، يصادرون المجلات والمطبوعات، ويضبطون المحلات التي تبيع في أوقات الصلوات. لم يكن من النادر أن تتوقف سيارة الهيئة بجانب شخص في الشارع ليُسأل عن سبب عدم ذهابه للمسجد.
تلك الحقبة خلفت ذاكرة جماعية حيّة. قصص المطاردات في الأسواق، والمنع من الاحتفال بالأعياد، ومصادرة أشرطة الغناء، والضغط على النساء بخصوص اللباس، كلها تحوّلت إلى سرديات متداولة رسمت صورة الهيئة في المخيلة العربية، وجعلت اسمها مرادفاً لشكل محدد من الرقابة الاجتماعية.
لكن تلك الصلاحيات الواسعة جاءت بتكلفة. حوادث متكررة أسفرت عن تجاوزات أثارت غضباً عاماً، أبرزها حادثة إحراء مدرسة في مكة عام 2002، حيث منع رجال الهيئة الطالبات من الخروج من المبنى المشتعل لأنهن لم يكنّ يرتدين العباءات، ما أدى إلى وفاة خمس عشرة فتاة. الحادثة شكّلت نقطة تحول في النقاش العام حول حدود الهيئة.
الإصلاح التدريجي: تقليص بلا إلغاء
ما حدث بعد عام 2003 لم يكن ثورة مفاجئة، بل مسار من الترتيبات والتعديلات المتدرجة. الملك عبدالله أصدر عام 2006 قراراً يُلزم الهيئة بعدم ملاحقة المشتبه بهم مباشرة، بل عليهم الإبلاغ أولاً والحصول على موافقة قبل التحرك. لاحقاً، صدرت تعليمات تحظر على الهيئة متابعة أو توقيف النساء، وتقيّد صلاحياتها في ضبط المحال التجارية.
تحت مظلة رؤية 2030، اتخذت التغييرات طابعاً أكثر جذرية. في عام 2016، صدر قرار بدمج الهيئة في وزارة الشؤون الإسلامية، وفُصلت عنها صلاحيات المتابعة والضبط التي كانت تمارسها عبر دورياتها. لم يعد لرجال الهيئة حق إيقاف المواطنين أو التحقيق معهم، وصار دورهم يقتصر على الرفق والإرشاد والتوعية.
هذا التحول لم يكن مجرد قرار إداري. كان تعبيراً عن إدراك عميق بأن استمرار النموذج القديم بات يُعيق مشروع التحديث الاقتصادي والاجتماعي الذي تقوده الدولة، وأن صورة الهيئة السابقة لم تعد تتناسب مع المملكة التي تسعى لاستقطاب السياح والمستثمرين وتحوّل مدنها إلى عواصم عالمية مفتوحة.
ما الذي تبقّى إذن؟
اليوم، الهيئة موجودة رسمياً. لها ميزانية وموظفون ومكاتب. لكن الشارع السعودي يعرف الفرق. دوريات الهيئة التي كانت تُثير الرعب اختفت من الطرق. المحلات التجارية تعمل دون خوف من مداهمات فجائية. الناس يصلّون أو لا يصلّون دون أن يُطاردهم أحد. المنكرات الظاهرة التي كانت الهيئة تتصدى لها صارت مسألة تُترك لضمير الفرد واختياره.
الأسئلة التي يطرحها هذا التحول ليست سهلة. هل يعني تقليص صلاحيات الهيئة أن المجتمع تخلى عن مبدأ الأمر بالمعروف؟ أم أن المبدأ نفسه يُمارس اليوم بأشكال أخرى أقل قسراً وأكثر حواراً؟ هل يمكن لمؤسسة أن تحتفظ بمعناها حين تُجرد من أدواتها التنفيذية؟
بعض علماء الدين يرى أن تقليص الهيئة يعني تساهلاً في المنكرات وضعفاً في الحسبة. وآخرون يرون أن الإصلاح كان ضرورياً لأن الهيئة شوهت صورة الإسلام بممارساتها، وأن الأمر بالمعروف الحقيقي يكون بالحكمة والموعظة لا بالمطاردة والتخويف.
الهيئة كمرآة لسؤال أكبر
القصة الحقيقية لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تُفهم بمعزل عن سؤال أوسع: كيف تُدار العلاقة بين الدين والدولة في مجتمع يريد التحديث دون أن يفقد هويته؟ المملكة لم تَختر الطريق التركي المتمثل في تفكيك المؤسسة الدينية بالكامل، ولم تَختر التمسك بالنموذج القديم. اختارت مساراً وسطاً: إبقاء المؤسسة مع تغيير وظيفتها من إنفاذية إلى إرشادية، وتحويلها من أداة ضغط على الشارع إلى جهاز توعية داخل الإطار الرسمي.
هذا المسار الوسط يحمل مخاطره. أنصار التحديث يرون أنه بطيء وغير كافٍ. وأنصار النموذج التقليدي يرون أنه تنازل خطير. لكنه في المحصلة يعكس حقيقة أن المجتمع السعودي يمر بمرحلة إعادة تفاوض عميقة حول ما يريد أن يكون عليه، والهيئة — بكل تقلباتها — هي أحد المرايا التي تعكس هذا التفاوض.
خلاصة غير نهائية
المؤسسات لا تموت بين ليلة وضحاها، لكنها قد تولد من جديد بأشكال مختلفة. هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما عرفها جيل كامل من السعوديين لم تعد موجودة عملياً، حتى لو بقي الاسم والهيكل. ما حلّ محلّها مؤسسة أكثر هدوءاً وأقل تدخلاً، تعمل في الخلفية لا في واجهة الشارع. هل هذا التحول نهائي؟ أم أن صعوداً جديداً ممكناً إذا تغيّرت الظروف السياسية والاجتماعية؟ لا أحد يملك جواباً قاطعاً. لكن المؤكد أن كل تحوّل في صلاحيات هذه الهيئة يكشف شيئاً عن طبيعة العقد الاجتماعي في السعودية، وعن التوتر الدائم بين الحفاظ والانفتاح الذي يُعرّف لحظتها الراهنة.