عندما يُذكر اسم عمر السومة في الأرجاء الرياضية العربية، يتبادر إلى الذهن صورة مهاجم طويل القامة، هادئ في ملامحه، شرس في شباكه. ليس مجرد لاعب عابر في منافسات كرة القدم، بل ظاهرة تهديفية استثنائية فرضت نفسها على الدوري السعودي للمحترفين لعقد كامل تقريباً. قصة السومة ليست مجرد أرقام وألقاب، بل مسار إنساني ورياضي يستحق التأمل.
من دير الزور إلى القمة
وُلد عمر السومة في مدينة دير الزور السورية عام 1989. كغيره من أبناء مدنه السورية، بدأ رحلته في ملاعب الحواري قبل أن ينضم إلى صفوف نادي الكرامة السوري. لم يكن صعوده مفاجئاً، لكنه كان مدروساً وثابتاً. موهبته التهديفية لفتت الأنظار مبكراً، وسرعان ما انتقل إلى الاحتراف في صفوف أهلي بنغازي الليبي عام 2011.
لكن المنعطف الحقيقي جاء في صيف 2014، عندما قرر نادي الأهلي السعودي ضمّه إلى صفوفه. لم يكن أحد يتوقع وقتها أن هذا المهاجم السوري القادم من الدوري الليبي سيصبح أحد أفضل الأجانب الذين مروا على تاريخ الكرة السعودية.
موسم خرافي وميراث دائم
موسم 2014–2015 لم يكن مجرد بداية جيدة. كان انفجاراً تهديفياً بكل المقاييس. سجّل السومة 22 هدفاً في أول موسم له مع الأهلي، متفوقاً على نجمين معروفين مثل آسان وغيلرمو. حصد لقب هدّاف الدوري، ونال جائزة أفضل لاعب أجنبي في البطولة.
ما يميّز أسلوب السومة لا يقتصر على عدد الأهداف. إنها طريقة تسجيلها. رأسيات قوية رغم أنه ليس الأطول بين المهاجمين. تسديدات مباشرة من خارج المنطقة. حركة ذكية داخل الصندوق. قدرة نادرة على قراءة الكرات العرضية. يجمع بين القوة البدنية واللمسة الفنية الراقية، وهو مزيج نادر في الملاعب العربية.
منافسة الديربي وذكرى لا تُنسى
في مباريات القمة أمام الهلال، كان السومة يقدّم أداءً يليق بالمناسبة. أهدافه في الديربي السعودي أصبحت جزءاً من الذاكرة الجماعية لمشجعي الأهلي. لم يكن مجرد هدّاف روتيني، بل لاعب يرفع مستواه عندما تشتدّ الأجواء وتعلو الرهانات.
أحد أكثر مشاهد حضوره رسوخاً في الوجدان الجمعي لمشجعي الأهلي كان هدفه في نهائي كأس الملك 2015 أمام الهلال. هدف متأخر بقدمه اليمنى، أعاد به الأهلي إلى منصّة التتويج بعد غياب طويل. لم يكن مجرد فوز بل إنهاء جفاف، والسومة هو من حمل لواء العودة.
إشكالية المنتخب السوري
رغم تألقه الواضح على مستوى الأندية، شكّل تمثيل السومة لمنتخب سوريا محطات متباينة. انضمامه للمنتخب تأخر لأسباب إدارية وفنية، ولم تكن مسيرته الدولية بنفس انسيابية مسيرته مع الأهلي.
لكن اللحظة التي ستبقى محفورة هي هدفه التاريخي أمام الصين في تصفيات كأس العالم 2018. تسديدة قوية من خارج المنطقة في الدقائق الأخيرة، منحت سوريا تعادلاً ثميناً أمام عملاق آسيا. لحظة جمعت بين الفرح الرياضي والرمزية الوطنية، وأظهرت أن السومة قادر على الحضور في أكثر الأوقات ضغطاً.
أرقام تتحدث
حتى نهاية مسيرته مع الأهلي عام 2023، سجّل السومة أكثر من 140 هدفاً في الدوري السعودي للمحترفين. تُوّج هدّافاً للدوري في ثلاثة مواسم متتالية (2015، 2016، 2017). ساعد فريقه على الفوز بكأس الملك وكأس السوبر وكأس ولي العهد.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات باردة. إنها شهادة على استمرارية نادرة في عالم كرة القدم، حيث تتبدّل الأسماء وتتغيّر النجومية بسرعة. السومة بقي في القمة لأكثر من موسمين أو ثلاثة، وهو ما يصعب تحقيقه حتى على كبار اللاعبين.
ما الذي يميّز السومة عن غيره؟
عند مقارنته بمهاجمين أجانب آخرين في الدوري السعودي، يبرز السومة في أكثر من جانب. أولاً، الاستمرارية. كثيرون قدّموا موسماً رائعاً ثم اختفوا. السومة قدّم عقداً من الأهداف. ثانياً، الولاء. لم ينتقل بين الأندية بحثاً عن عقود أكبر، بل بقي وفياً للأهلي طوال فترة احترافه هناك.
ثالثاً، الأسلوب. ليس من السهل تصنيفه ضمن نمط محدد. ليس المهاجم الصندوقي البحت، وليس المهاجم المتأخر. يجمع بين الأدوار، ويملك وعياً تهديفياً يفوق العديد من نظرائه.
ما بعد الأهلي
أتمّ السومة مسيرته مع الأهلي عام 2023، ثم انتقل إلى العربي القطري. رحيله عن جدة لم يكن مجرد انتقال لاعب، بل نهاية حقبة لمشجعين الأهلي الذين اعتادوا رؤية رقمه 9 في مقدمة الهجوم طوال عقد كامل.
ما تركه السومة في السعودية يتجاوز الأهداف. لقد أعاد تعريف مفهوم "المهاجم الأجنبي الناجح" في الدوري السعودي. ليس بالضرورة أن يكون قادماً من أوروبا أو أمريكا الجنوبية. يمكن أن يكون قادماً من سوريا، من الدوري الليبي، من بيئة مختلفة تماماً. الموهبة لا تعرف الجغرافيا، والسومة خير دليل.
إرث يفوق الإحصاء
عند تقييم مسيرة عمر السومة، يسهل الانبهار بالأرقام. لكن الأرقام وحدها لا تروي القصة كاملة. ما يجعل السومة لاعباً مميزاً هو قدرته على الحضور في اللحظات المفصلية، استمراريته على مدى سنوات طويلة، وتواضعه رغم النجاحات.
في زمن كرة القدم التجارية، حيث تصبح الولاءات نادرة والانتقالات متلاحقة، يبقى السومة نموذجاً للاعب يصنع اسمه بالعمل لا بالضجيج. قصة فتى من دير الزور أصبح واحداً من أفضل المهاجمين في تاريخ الكرة السعودية، تستحق أن تُروى وتُحفظ.
كرة القدم، في جوهرها، رياضة تحكي قصصاً إنسانية. وقصة عمر السومة واحدة من أجمل تلك القصص العربية في العقد الماضي.