في آخر دقائق نهائي يورو 2024، وجدتُ نفسي أبحث عن كرسي فارغ في مقهى لندني مزدحم. حين سجّل كول بالمر التعادل، قفزت الجموع، لكن حين جاء هدف أويارزابال القاتل، ساد صمتٌ ثقيل قبل أن يُخيّب أحدهم زمجرته في الهواء. لم يكن الأمر مجرد خسارة مباراة؛ كان شعوراً بالثأر المؤجل. على الطاولة المجاورة، جلس شاب إسباني يبتسم بخجل، لكن عينيه كانت تحمل ذات اللمعة التي رأيتها في عيون الجدّ الإنجليزي الذي روى لي ذكرياته عن «الماتادور» عام 1950.
هذا التنافس لم يبدأ مع ركلة الجزاء الأخيرة، ولا مع هدف لامبارد الملغى في 2010. جذوره أعمق من كرة القدم نفسها؛ تمتد إلى ملاحم البحر، إلى ملكة إنجليزية تزوجت ملكاً إسبانياً قبل أربعة قرون، إلى حروب التجارة، إلى شكوك متبادلة حول من «اخترع» الشاي ومن «أتقن»ه. لكن الكرة جعلت الصدام أكثر مباشرة: لا مجازات، لا تواريخ مختلقة، فقط 22 لاعباً ومليون مشاعر متصلة بالأقمار الصناعية.
اللافت أن المباريات بين البلدين نادراً ما تكون عادية. في 1996، خرجت إسبانيا بركلات الترجيح لتُرسل إنجلترا إلى حفلة وطنية من الشجن. قبلها بعامين، ألقى بصيص أمل إنجليزي في «يورو 92» عندما فازت إسبانيا على الدنمارك، فمنحت «الأسود الثلاثة» بطاقة التأخر. كل مرة يُعاد رسم الخريطة: من يتقدم في «الدوري الأوروبي» للكرامة؟
الفارق الأسلوبي يُذكّرنا بأن الكرة تعكس ثقافة أوسع. الإنجليز يتحدثون عن «الشجاعة» و«الانضباط»، الإسبان عن «التماسك» و«الإبداع». حين يتقدم بيكهام في الذاكرة، يقابله تشابي ألونسو. حين يبرز راشفورد، يظهر يامال. كأن هناك لوحة شطرنج خفية تُعاد ترتيب قطعها كل عقد، لكن الحرب نفسها تبقى.
أخيراً، لا يُفصل التاريخ عن اللحظة الحالية. قبل أيام قليلة، أُعلنت مواعيد دوري الأمم المقبل، ووجدت مجموعاتي نفسي أبحث عن تاريخ إنجلترا-إسبانيا قبل أي مباراة رسمية. وجدتُ تشابهاً غريباً: في كل جيل، يُصاب أحد الفريقين بمرحلة هوية، فيقابلها الآخر بثقة متجددة. في 2009، كانت إسبانيا تُسيطر على العالم، بينما كانت إنجلترا تبحث عن «ثقافة الفوز». اليوم، ربما تكون الصورة معكوسة. لكن الجمهور لا ينسى: كل مباراة فرصة لاسترداد شيء لم يُقل بعد، أو لتأكيد شيء لم يُثبت تماماً.
عندما يُعلن الحكم صافرة النهاية المقبلة، ستتوقف الكرة، لكن المباراة الأكبر ستستمر في المقاهي، في مجموعات واتساب، في الذكريات التي يُعاد تدويرها كل أربع سنوات. إنجلترا وإسبانيا ليستا مجرد منتخبين؛ هما مرآتان تُعكسان شكلاً من التاريخ البشري: رغبة في التفوق، خوف من النسيان، وذاكرة لا تُطفئها أي صافرة نهائية.
الصدام الذي لا يُطفئه الزمن: لماذا تبقى إنجلترا وإسبانيا خصمين يتجددان؟
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/5qwo8s9k