تتوقف يدك عن التمرير لثانية، لا لشيء سوى أن صورة مررت عليها عشرات المرات أمسكت انتباهك فجأة. صديق قديم في رحلة، طعام فاخر على مائدة، ضحكة عفوية التقطتها عدسة ما. تسأل نفسك: هل هذا حقيقي؟ لا، ليس بالمعنى الفلسفي العميق، بل ببساطة: هل هذا يحدث فعلاً في تلك اللحظة، أم هو مجرد لحظة صُنِعت لتبدو حقيقية؟
نحن لا نعيش في واقع واحد بعد الآن. ليس هذا قولاً ذكياً عن الواقع الافتراضي أو عوالم الميتافيرس، بل هو ملاحظة بسيطة عن يومياتنا. الصباح يبدأ بأخبار لم نختارها، تمر بنا على شاشة الهاتف. نتفاعل مع أصدقاء لم نرهم منذ شهور، عبر رموز تعبيرية صغيرة. نعمل من غرف نومنا، نحضر اجتماعات حيث نرى وجوهًا في مربعات صغيرة، وننسى أحيانًا أن نتساءل: أين هو الواقع في كل هذا؟
الواقع اليوم أصبح كالملح في الطعام. لا نلاحظه حتى يختفي. نحن منشغلون ببناء صور عن حياتنا، لدرجة أننا ننسى أن نعيشها. التقاط الصورة أهم من تذوق الوجبة. مشاركة اللحظة أصبحت أولى من تجربتها. والأغرب أننا لا نكذب بالضرورة؛ نحن فقط نختار زاوية معينة، ضوءاً ملائماً، تعبيراً وجهاً يُظهر ما نريد أن نكون عليه. لكن السؤال يبقى: ماذا عن كل ما يحدث خارج الإطار؟
الأمر لا يتعلق بالتكنولوجيا وحدها. حتى قبل أن تسيطر الشاشات على يومياتنا، كنا نصنع أشكالاً من الواقع. الفرق اليوم هو السرعة والانتشار. في الماضي، كانت قصصنا تُروى في مجالس محدودة، أما الآن فهي تُبثّ للجميع. والأخطر أننا نبدأ نصدق الأقنعة التي نرتديها. ننظر إلى ملفاتنا الشخصية كأنها مرآة، وننسى أنها مجرد لوحات رقمية نعلق عليها ما نريد أن نراه.
هناك لحظات يدرك فيها المرء هذا الانفصال. عندما تلتقي بصديق لم تره إلا على الشاشة، وتكتشف أن ضحكته مختلفة، أو أن صوته أعمق مما توقعت. أو عندما تنتهي من يوم طويل وتدرك أنك لا تتذكر شيئاً ملموساً فعلتَه. كل شيء كان على شاشة، حتى الأصدقاء، حتى العمل، حتى الترفيه. تلك اللحظة من التيه، عندما تبحث عن شيء حقيقي تلمسه أو تشمه أو تسمعه بدون وسيط، هي التي تُذكرك أن الواقع لا يزال هناك، لكنك نسيت كيف تصل إليه.
البحث عن الواقع ليس دعوة للعودة إلى الماضي أو رفض التكنولوجيا. لا أحد يريد التخلي عن سهولة التواصل أو سرعة الوصول للمعلومات. المشكلة ليست في الأدوات، بل في كيفية استخدامنا لها. نحن نستخدم التكنولوجيا لنصنع واقعاً بديلاً، ثم نتعامل معه كأنه الأساس. ننسى أن الشاشة نافذة، لا حياة.
ربما الحل ليس في إجابة واحدة، بل في أسئلة نطرحها على أنفسنا باستمرار: ماذا لو وضعت الهاتف جانباً لساعة؟ ماذا لو تحدثت إلى جاري بدون تصوير اللحظة؟ ماذا لو سمحت لنفسك بملل حقيقي، بدون ملء الفراغ بمحتوى جاهز؟ الأسئلة البسيطة هي التي تعيدنا إلى الواقع، لأن الواقع نفسه ليس جواباً، بل هو الحياة التي تحدث بين الأسئلة.
في النهاية، الواقع ليس ما ننشره أو ما نتحدث عنه. هو ما يبقى عندما تنتهي البطاريات. هو الشعور بالتربة تحت أقدامنا، صوت شخص نحبه دون فلتر، لحظة صمت نختارها بإرادتنا. هو كل ما لا يمكن تصويره بشكل كامل، ولا يمكن شرحه في منشور. وهو بالضبط ما نحتاجه لنبقى بشراً.
الواقع الذي نبحث عنه لم يذهب إلى أي مكان. نحن من ابتعدنا عنه، شاشة تلو الأخرى.
الواقع الذي نبحث عنه بين الشاشات
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/5qwo88mx