في عالم كرة القدم، حيث تُقاس قيمة المدربين بالألقاب التي ترفعها فرقهم في نهاية الموسم، يظل كارلوس كيروش حالة استثنائية لا تخضع لهذه القاعدة. لم يكن الرجل البرتغالي يومًا صانع بطولات بالمعنى التقليدي، لكنه كان دائمًا مهندسًا لفرق تبدو أكبر من حجمها الحقيقي. هناك مفارقة غريبة ترافق مسيرته؛ كلما طالت مدة بقائه مع منتخب أو نادٍ دون تحقيق لقب كبير، ازداد تمسك الجماهير به. لقد أتقن كيروش تحويل "العملية" إلى بديل مقنع عن "النتيجة"، وجعل من الانضباط التكتيكي ديانة يتبعها اللاعبون والمشجعون على حد سواء.
لفهم ظاهرة كارلوس كيروش، يجب أن ننظر بعيدًا عن الألقاب، ونقترب من غرفة الملابس. عندما وصل إلى طهران لتولي تدريب المنتخب الإيراني عام 2011، لم يكن الفريق يعاني فقط من تراجع في المستوى، بل كان يفتقر إلى هوية واضحة. ما فعله كيروش خلال ثماني سنوات هناك لم يكن مجرد إعادة ترتيب للتشكيلة الأساسية، بل كان إعادة صياغة لعقلية جيل كامل من اللاعبين. فرض نظامًا صارمًا يبدأ من طريقة الجلوس في الحافلة ولا ينتهي عند حدود الملعب. حوّل لاعبين محليين يلعبون في دوري غير مشهود له عالميًا إلى وحدة دفاعية متماسكة أرهقت كبار القارة الآسيوية، ووصلت إلى نهائيات كأس العالم مرتين متتاليتين.
لم يكن أسلوبه يرضي الجميع، وهذا جزء من سحره. كان يميل إلى اللعب التحفظي، والاعتماد على التنظيم الدفاعي المحكم، والارتداد السريع. بالنسبة للرومانسيين الذين يبحثون عن المتعة في كرة القدم، كانت مباريات فرق كيروش تمثل اختبارًا للصبر. لكن بالنسبة للجماهير التي اعتادت خيبات الأمل، كان هذا الأسلوب يمثل طوق نجاة. في إيران، وفي جنوب أفريقيا قبلها، وحتى في مصر لاحقًا، كان الجمهور مستعدًا للتخلي عن الاستحواذ واللمحات الفنية الجميلة مقابل الشعور بالأمان، وهو شعور نادر في بلدان تتعامل مع كرة القدم كمسألة حياة أو موت.
لا يمكن الحديث عن مسيرة كيروش دون التوقف عند محطة مانشستر يونايتد، حيث عمل لسنوات طويلة كظل لـ السير أليكس فيرغسون. هناك، لعب دور العقل المدبر الذي يترجم أفكار فيرغسون إلى خطط تدريبية يومية. هذه التجربة منحته فهمًا عميقًا لكيفية إدارة غرف الملابس المليئة بالنجوم، لكنها في الوقت نفسه خلقت توقعات غير واقعية عندما قرر الوقوف وحيدًا على خط التماس. ما ينجح كجزء من منظومة فيرغسون الصارمة، قد يبدو قاسيًا ومبالغًا فيه عندما يطبقه كيروش بمفرده في بيئات كروية مختلفة تمامًا.
أحد أكثر جوانب شخصيته إثارة للاهتمام هو قدرته على خلق عدو مشترك. كان يعرف كيف يستخدم التصريحات الصحفية لحماية فريقه، وكيف يحول الضغط الخارجي إلى وقود للاعبيه. في المؤتمرات الصحفية، كان يظهر وكأنه يخوض معركة شخصية ضد كل من يشكك في قدراته أو قدرات فريقه. هذا السلوك الدفاعي المستمر جعله شخصية مستقطبة؛ يعشقه من يعمل معه ويكرهه من يقف ضده، دون وجود مساحة رمادية في المنتصف.
عندما درب منتخب مصر لفترة قصيرة، تكررت نفس المشاهد: انقسام حاد بين مؤيد يرى فيه المنقذ الذي سيمنح الفريق هيكلًا تكتيكيًا كان يفتقده، ومعارض يرى أن أساليبه الجامدة ستخنق المواهب الفردية الفطرية. وبغض النظر عن النتيجة النهائية لأي تجربة يخوضها، يترك كيروش دائمًا بصمة تنظيمية يصعب محوها بسرعة.
ربما يكون الإرث الحقيقي لكارلوس كيروش ليس في عدد الكؤوس التي رفعها، بل في إثبات فكرة بسيطة ومعقدة في آن واحد: في كرة القدم، النظام يمكن أن يكون موهبة. المدربون الذين يبنون فرقًا تعتمد على الإلهام الفردي يرحلون بمجرد تراجع مستوى النجم، أما من يبني آلة تعمل وفق قواعد محددة، فإنه يضمن لفريقه البقاء في المنافسة حتى وإن لم يكن الأفضل على الورق.
يبقى كيروش ذلك المدير الفني الذي يجبرك على إعادة التفكير في معنى النجاح. هل الفوز هو الهدف الوحيد؟ أم أن بناء فريق لا ينهار تحت الضغط، ويقاتل حتى الدقيقة الأخيرة، ويمتلك هوية واضحة يعرفها الخصم قبل الحليف، هو انتصار بحد ذاته؟ الإجابة تعتمد على ما تبحث عنه في اللعبة، لكن لا أحد يستطيع إنكار أن كارلوس كيروش أجبر كرة القدم على احترام أولئك الذين يفضلون العمل الصامت والمُنظم على الضجيج المؤقت.
الرجل الذي جعل الانتظار فنًا
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/5j6olq90