في منتصف عام 2013، بينما كانت جبهات حلب تشتعل وتحاصرها الجماعات المسلحة من كل جانب، ظهر اسم غير مألوف على ألسنة النقاد العسكريين السوريين: سهيل الحسن. لم يكن ضابطًا من خريجي الأكاديميات الكبرى، ولا من أبناء العاصمة المترفة، بل كان ابن قرية صغيرة في اللاذقية، وقد التحق بالجيش قبل ثلاثين عامًا كملازم شاب في سلاح الاستطلاع. ثم اندلعت الحرب، فصار الرجل الذي يلقّبونه بـ«النمر» لاعبًا رئيسيًا في تغيير مجراها.
عندما أُسندت إليه قيادة «قوات النمر» عام 2013، لم تكن الوحدة تتجاوز بضع مئات من المقاتلين، غالبيتهم متطوعون محليون يحملون أسلحة قديمة. لم يملك الحسن آنذاك سوى خريطة ورقية وإحداثيات يتلقاها عبر هاتف قديم، لكنه أدرك شيئًا بديهيًا: لا يمكن الفوز بحرب مدن بالمدفعية الثقيلة وحدها، بل بفهم معقدات الأحياء والزوايا. جمع عناصر استطلاع من شباب حلب الذين يعرفون كل زقاق، ووضع نظام «نقاط الظل»، حيث ينتقل المقاتلون ليلًا بين منازل مهجورة دون أن يتركوا أثرًا حراريًا على كاميرات الدرونات.
في معركة «الملاح» شمال حلب، خرجت الجماعات المسلحة من الجبهة الشرقية بأسلحة مضادة للدروع، فكان الحل الذي اقترحه الحسن غير تقليدي: تشكيل خلايا من ثلاثة مقاتلين فقط، يحمل كل منهم قاذف «رشاش» ويتحرك بشكل منفصل، ثم يجتمع الثلاثة في نقطة واحدة لإطلاق ثلاث قذائف متزامنة على نفس الهدف. كانت النتيجة تدمير أكثر من 12 آلية خلال 48 ساعة، بخسائر بشرية لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.
لكن أبرز ما ميّز قيادة الحسن هو قدرته على «إعادة بناء الجيش من الداخل». بدلًا من الاعتماد على التعزيزات القادمة من دمشق، أنشأ مراكز تدريب ميدانية داخل الأحياء المحررة، حيث يتعلم المجندون الجدد في الصباح كيفية تفكيك الألغام، ويقاتلون ليلًا في نفس الشوارع التي تدربوا فيها صباحًا. تحولت «قوات النمر» خلال عامين إلى لواء متكامل يضم دبابات ومدفعية وطائرات استطلاع، لكنه ظل يحتفظ بطابعه المحلي: أسماء فرقه تُقتبس من أحياء حلب، ويُقيم المقاتلون وجبات الإفطار الجماعية في باحات المدارس المهجورة قبل المعارك الكبرى.
مع اقتراب معركة حلب الشرقية نهاية 2016، واجه الحسن معضلة إنسانية: كيف يُخرج المدنيين من مناطق المسلحين دون أن يتحولوا إلى «دروع بشرية»؟ طبّق تكتيكًا بسيطًا لكنه مؤثر: أمر وحداته بفتح ممرات مؤقتة لمدة ساعتين يوميًا، مع إطلاق إنذارات صوتية مسبقة تُذيع أسماء الأحياء المقبلة على التحرير. خلال أسبوعين، غادر أكثر من 30 ألف مدني عبر تلك الممرات، حاملين ملابسهم في أكياس بلاستيكية، بينما ظل الحسن واقفًا عند أول نقطة تفتيش يُعطي كل طفل قطعة حلوى ويُكرر عبارة واحدة: «الجيش هنا لحمايتكم، ليس لقتلكم».
اليوم، بعد أن أصبح الحسن رمزًا عسكريًا، لا يزال يُفاجئ المراقبين بخياراته غير المتوقعة. عندما سُئل في مقابلة نادرة عن أصعب لحظة في حربه، لم يذكر معارك كر وفر، بل قال: «عندما دخلت بيتًا في حيّ السكري، فوجئت بطفلة تمسك دمية ممزقة وتخبرني إن والدها قتل قبل عام، ثم سألتني: هل الجنود مثلنا يبكون؟» حينها أدركت أن الحرب لا تُكسبك أوسمة فقط، بل تترك فيك صورًا لا تُمحى.
ربما كان سهيل الحسن مجرد ضابط آخر لولا أنه اختار أن يقود من المقدمة لا من الغرف المغلقة، وأن يجعل من كل معركة درسًا في كيفية إعادة كتابة قواعد الحرب الحديثة داخل مدن متهدمة. لكن الأهم، أنه أظهر أن الانتصار في معارك اليوم لا يُقاس فقط بالأرض المحررة، بل بعدد العائلات التي عادت إلى بيوتها فجرًا، ولم تجد سوى صورة ممزقة معلقة على الجدار، لكنها تذكّرها أنها ما زالت على قيد الحياة.
كيف تحوّل ضابط مجهول إلى أيقونة قيادة في أعنف حرب عربية معاصرة؟
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/5j6o3rgv