قبل أن يظهر اسمه في عناوين الأخبار الأمريكية، كان جيه دي فانس شابًا يروي كيف نشأ في بيتٍ تفكك تحت ضغط الفقر والإدمان. في مذكراته، لم يكتب خطابًا سياسيًا، لكنه كتب شيئًا ربما كان أقوى: شعورًا بالانتماء إلى عالمٍ يراه السياسيون من بعيد.
ولد فانس عام 1984 في مدينة ميدلتاون بولاية أوهايو، وعاش طفولة صاخبة بين أمٍّ عانت من الإدمان وأجدادٍ ينحدرون من خلفية ثقافية مرتبطة بجنوب الولايات المتحدة. هذه البيئة ليست مجرد خلفية عائلية، بل كانت المادة الخام التي بنى منها اسمه العام لاحقًا.
في عام 2016 نشر “هيلبيلي إيليجي”، وهو كتاب سيرة يخلط بين الحكاية الشخصية والتحليل الاجتماعي. قدّمه القرّاء أحيانًا على أنه نافذة لفهم الطبقة العاملة البيضاء، خاصة في مناطق فقدت وظائفها الصناعية وشهدت انتشار مواد الإدمان. ومع ذلك، لم يخلُ الكتاب من اعتراضات؛ فبعض الباحثين رأوا أنه يختزل تاريخًا معقدًا في قصة نجاح فردية، بينما اعتبره آخرون وثيقة صادقة عن خيبات محلية بعيدة عن عناوين واشنطن.
كان المسار الأكاديمي والمهني لفانس جزءًا من التناقض الذي أحاط به: من كلية الحقوق في جامعة ييل إلى عالم رأس المال الجريء في وادي السيليكون. الصعود التعليمي والمالي جعله، في نظر كثيرين، شاهدًا من الداخل على عالم النخبة، لكنه في الوقت نفسه راوٍ من الخارج على عالم الطبقات التي يتحدث باسمها.
في السياسة، لم يكن فانس من المناصرين الأوائل لدونالد ترامب، بل عبّر في مراحل مبكرة عن تحفظات وانتقادات. مع دخول السياسة بشكل مباشر عبر ترشحه لمجلس الشيوخ عن أوهايو عام 2022، تغيرت الصورة: صار أقرب إلى خطاب شعبوي يركز على التجارة، والهجرة، وسياسة الصناعة، وتشكيك في بعض التدخلات الخارجية، إضافة إلى مواقف ثقافية محافظة.
في 2024 اختير شريكًا في التذكرة الجمهورية لمنصب نائب الرئيس، ثم تولى المنصب عام 2025. هنا دخل اسمه دائرة الحكم، ولم يعد مجرد كاتب سيرة أو سيناتور. أصبح جزءًا من إدارة أمريكية مؤثرة، ووجهًا سياسيًا يراقبه الإعلام المحلي والدولي، سواء في خطاباته، أو في مواقفه من قضايا التعليم، أو الهجرة، أو السياسة الخارجية.
هذا التحول السريع من كتاب إلى منصب رفيع أثار أسئلة تتجاوز فانس نفسه. كيف تتحول مذكرات إلى رأس مال سياسي؟ وهل يمكن لمن كتب عن الفقر أن يحمّل مسؤولية السياسة فقط للأفراد؟ يرى مؤيدوه أنه يعكس معاناة ناسٍ مهمشين، بينما يرى منتقدوه أن قصته استُخدمت كجسر للسلطة، وأن مواقفه تغيرت حين تغيرت الضرورات الانتخابية.
تظل قصة جيه دي فانس، في جوهرها، حكاية عن أمريكا التي لا تحب أن ترى نفسها في مرآة واحدة. هناك الفلاح والجندي، والكتاب والفيلم، والبيت المتواضع والغرفة المغلقة في مؤسسة كبرى. لا يحتاج القارئ إلى أن يتفق معه كي يجد في سيرته مادة للحوار: هل يستطيع من صعد إلى القمة أن يبقى صوتًا لمن خلفهم؟ أم أن القمة، بطبيعتها، تعيد تشكيل من يعتليها؟
من كتاب مذكرات إلى منصب نائب الرئيس: كيف صنع جيه دي فانس نفسه في أمريكا المتشظية
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/5ipoi9kk