لم يكن محمد طه مجرد روائي يسرد قصصاً، بل كان حارساً للذاكرة الجماعية، يلتقط أنفاس المجتمع في لحظاته الأكثر حرجاً. في عالمنا العربي اليوم، حيث تتصاعد الأسئلة حول الهوية والانتماء والتحديث، يبدو كأن كتبه كُتبت للتو، وليس منذ عقود.
البحث عن الإنسان وسط الأنقاض
ما يميز أعمال محمد طه أنها لا تقدم أبطالاً خارقين، بل شخصيات عادية تغرق في متاهاتها اليومية. في رواياته، يجد القارئ نفسه أمام موظف حكومي يتأمل تقاعده القادم، أو معلمة في قرية نائية تحاول تعليم أطفال لا يرون مستقبلاً خارج حدود الضيعة، أو شاب يهرب من قرية إلى المدينة ليجد أن الفقر قد سبقه إليها.
هذه الشخصيات ليست مجرد رموز أدبية. هي ترجمة حرفية لملايين العرب الذين يعيشون بين رغبة في التغيير وقيود الواقع. طه لم يكتب عنهم من بعيد، بل من داخل عقولهم، مستخدماً لغة بسيطة لا تخفي تعقيداتها. جمله القصيرة تخفي وراءها صراخاً طويلاً، وهدوءه السردي يحمل في طياته انفجارات لم تحدث بعد.
اللغة كأداة للمقاومة الصامتة
ربما كان أبرز إسهامات محمد طه هو تحرير اللغة العربية من قيودها الرسمية. رفض أن يكون الأدب حكراً على النخبة المثقفة، فكتب بلهجة قريبة من الشارع دون أن يسقط في البلاغة السوقية. كان يؤمن أن كلمة "بسيطة" تفهم أكثر من جملة معقدة، وأن الحقيقة لا تحتاج إلى تزيين.
في رواية "المواطنون" (اسم مستعار لإحدى أعماله الشهيرة)، يصف مشهد انتظار المواطنين في طابور الدولة بطريقة تجعلك تشعر بوقوفك معهم تحت الشمس الحارقة. لا يقول "الظلم مؤلم"، بل يجعلك تلمس الألم في كل خطوة. هذه هي قوة الأدب عندما يتخلى عن الشعارات ويحتضن التفاصيل.
لماذا يقرأه الشباب اليوم؟
في مقهى بالقاهرة، سألت شاباً في منتصف العشرينات يقرأ "الحب في المنفى" عن سبب اختياره كتاباً صدر قبل ولادته. أجاب: "لأنه يفهم لماذا أريد الهرب دون أن يدين هروبي". هذه هي الجاذبية الخفية لأعمال طه: أنها لا تقدم وصفات جاهزة، بل تمنحك إذناً بالتردد.
في زمن السوشيال ميديا، حيث يُطلب من الجميع أن يكون واضحاً وحاسماً، يأتي طه ليقول إن التردد هو جزء من الإنسانية. أبطاله لا يعرفون كل الإجابات، ولا يفوزون دائماً، وغالباً ما يستسلمون. وهذا بالضبط ما يجده القارئ المعاصر صادقاً أكثر من قصص النجاح المفتعلة.
الإرث الذي لا يُقرأ بل يُعاش
توفي محمد طه منذ سنوات، لكن كتبه لا تزال تُطبع سراً في بعض المكتبات، وتُتداول كملفات PDF بين الطلبة. ليس لأنها محظورة، بل لأن قراءتها تشبه الحصول على وثيقة سرية: وثيقة تؤكد أن ما تشعر به ليس جنوناً شخصياً، بل هو جزء من مرض جماعي اسمه "الواقع".
الأدب عنده لم يكن ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية. كان يكتب لأن السكوت كان يعني الموافقة على كل ما هو خاطئ. وربما هذا هو الدرس الأهم لكل من يحمل قلماً اليوم: أن الكتابة ليست عن إبداعك الشخصي، بل عن مسؤوليتك تجاه من يشبهونك.
في زمن الأزمات المتتالية، يبدو محمد طه أكثر حضوراً من أي وقت مضى. ليس كأيقونة أدبية، بل كصديق قديم يهمس في أذنك: "أنا أفهم، وأنت لست وحدك".
عندما يصبح الأدب مرآة للأزمات التي لا تنتهي
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/5ipoi78s