في كل بضع سنوات، يلاحظ الصيادون على سواحل بيرو أن مياه المحيط الهادئ أمامهم تصبح أدفأ من المعتاد، وأن الأسماك التي اعتادوا اصطيادها تبتعد عن شواطئهم. هذه الظاهرة البسيطة التي لاحظوها قبل قرون، وأطلقوا عليها اسم «إل نينيو» أي «الطفل» نسبةً إلى المولود العيسوي لأنها كانت تظهر عادة في أشهر ديسمبر، تُعد اليوم واحدة من أهم الظواهر المناخية على سطح الأرض، إذ إنها قادرة على تحويل مواسم الأمطار والجفاف والحرارة في قارات بعيدة كل البعد عن المحيط الهادئ. فما هذه الظاهرة؟ وكيف تحدث؟ ولماذا تهم كل شخص على هذا الكوكب؟
ما هي ظاهرة إل نينيو؟
إل نينيو هي ارتفاع غير طبيعي في درجة حرارة سطح المياه في وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي، يستمر عادة من تسعة أشهر إلى سنة كاملة، وقد يمتد في بعض الحالات لفترة أطول. هذا الاحترار لا يبقى حبيسَ المحيط، بل يتفاعل مع الغلاف الجوي فيسبب سلسلة من التغييرات في أنماط الرياح والضغط الجوي، وهذه التغييرات بدورها تعيد تشكيل الطقس في مناطق شاسعة من العالم.
يتفق العلماء على اعتبار الحالة «نينيو» عندما يتجاوز متوسط حرارة سطح البحر في منطقة محددة من المحيط الهادئ الاستوائي الوسطى والشرقية حدها المعتاد بنحو نصف درجة مئوية أو أكثر لفترة متصلة. قد يبدو الرقم صغيرًا، لكن المحيط يخزّن كميات هائلة من الحرارة، وحتى هذا الاحترار المتوسط كفيل بتحريك قطارات الطقس في أنحاء الكرة الأرضية.
كيف تتشكل الظاهرة؟
لفهم ذلك، لا بد من معرفة الوضع «الطبيعي» للمحيط الهادئ الاستوائي. في الظروف المعتادة، تهبّ الرياح التجارية بقوة من الشرق إلى الغرب قرب خط الاستواء، فتدفع المياه السطحية الدافئة نحو غرب المحيط قرب إندونيسيا وأستراليا، وتتراكم هناك في كتلة ضخمة دافئة. وفي المقابل، تظهر في شرق المحيط قرب سواحل أمريكا الجنوبية مياه أبرد، لأن الرياح تسحب المياه السطحية الدافئة وتسمح للمياه الباردة من الأعماق بالصعود إلى السطح.
وتنشأ إل نينيو عندما تضعف هذه الرياح التجارية أو تتقلب اتجاهها. عندها لا يجد المحيط ما يمنع الكتلة الدافئة المتراكمة في الغرب من التدفق شرقًا، فتنتشر المياه الحارة على مساحة واسعة من وسط المحيط وشرقه. يحرّك هذا الاحترار الهواء فوق المحيط ويغيّر مواقع منخفضات ومرتفعات الضغط، وضعف الرياح بدوره يعزز الاحترار أكثر، فتدخل المحيط والغلاف الجوي في حلقة تفاعل متبادل تديم الظاهرة حتى تعود الرياح إلى قوتها تدريجيًا وتتفرّق الكتلة الدافئة.
إل نينيو ولا نينيا: وجهان لدورة واحدة
لا تأتي إل نينيو من فراغ، بل هي أحد وجهَي دورة مناخية طبيعية تُعرف علميًا باسم «التفاعل بين المحيط والغلاف الجوي في جنوب المحيط الهادئ». الوجه الآخر هو «لا نينيا»، وهي الحالة المعاكسة تمامًا: تزداد الرياح التجارية قوةً فتبرد مياه وسط وشرق المحيط الهادئ عن المعتاد، بينما تتراكم الحرارة في الغرب أكثر من المعتاد.
وبين هذين الطرفين توجد حالة «محايدة» لا يكون فيها المحيط دافئًا ولا باردًا بصورة ملحوظة عن المعتاد. تتناوب هذه الأطوار على مدى السنين، فتظهر إل نينيو عادة كل سنتين إلى سبع سنوات، ولا تشابه الدورة في توقيتها أو قوتها من مرة إلى أخرى؛ فبعضها ضعيف يكاد لا يُلحظ، وبعضها قوي يترك بصماته على مواسم طقس كاملة.
كيف تغيّر إل نينيو الطقس حول العالم؟
قد يظن البعض أن ظاهرة تحدث في المحيط الهادئ لا تخصّ سوى دول مجاورة له، لكن الحقيقة أن التغييرات في حرارة المحيط وضغط الهواء تنتقل عبر التيارات الجوية العليا مثل حجر أُلقى في بركة ماء، فتتأثر مناطق تبعد آلاف الكيلومترات. ومن أشهر الآثار المرتبطة بأعوام النينيو:
- جفاف وقيود مائية في شرق أستراليا وإندونيسيا وأجزاء من جنوب شرق آسيا، مع احتمال ضعف موسم أمطار الرياح الموسمية في جنوب آسيا.
- أمطار غزيرة وفيضانات في سواحل بيرو والإكوادور وأجزاء من أمريكا الجنوبية الغربية.
- أمطار أكثر من المعتاد في جنوب الولايات المتحدة وأجزاء من المكسيك خلال فصل الشتاء، مع شتاء أدفأ من المعتاد في المناطق الشمالية من الولايات المتحدة وجنوب كندا.
- تراجع نشاط الأعاصير في المحيط الأطلسي، بسبب الرياح العلوية التي تقطع نضوج الأعاصير، بينما قد يزداد النشاط في جانبي المحيط الهادئ.
- ميول إلى ارتفاع متوسط درجة الحرارة العالمية، فسنوات النينيو تكون عمومًا أدفأ من سنوات لا نينيا.
هذه الآثار ليست قوائم حتمية تتحقق حرفيًا في كل مرة، بل هي ميول إحصائية يزداد احتمال حدوثها أثناء الظاهرة، وتتفاوت قوتها بحسب شدة النينيو نفسه وتفاعله مع عوامل مناخية أخرى موسمية.
أثرها على البحار والحياة البحرية
التغييرات ليست في السماء فقط. ففي الظروف الطبيعية، يصعد الماء البارد الغني بالعناصر الغذائية من أعماق المحيط قرب السواحل الأمريكية الجنوبية، فيغذي طحالبًا دقيقة تُشكّل قاعدة السلسلة الغذائية التي تعيش عليها أسماك مثل الأنشوفة بوفرة. عندما تعوق المياه الدافئة هذا الصعود، تتناقص الغذاء والأسماك معًا، فتعاني مصايد الأسماك ومجتمعات الساحل التي تعتمد عليها.
كثيرًا ما يصاحب أحداث النينيو القوية ظاهرة ابيضاض الشعاب المرجانية، إذ إن الشعاب الحساسة لارتفاع حرارة المياه تقضي على الطحالب الدقيقة التي تعيش داخل أنسجتها وتمنحها لونها وغذاءها، فتبيضّ الشعاب وقد تموت إذا استمر الاحترار طويلًا. وتزداد كذلك احتمالات الظواهر الجوية العنيفة في المناطق التي تتشكل فوقها عواصف رعدية مدارية فوق مياه دافئة أكثر من اللازم.
ماذا يعني ذلك للزراعة والاقتصاد؟
بما أن النينيو يعيد توزيع الأمطار والحرارة، فإن أثره يمتد إلى الحقول والأسواق. قد تصطدم محاصيل الأرز والقمح وزيت النخيل والقهوة بجفاف أو فيضانات في مواسم حرجة من نموها، وقد تعاني الماشية من ندرة المراعي في مناطق متأثرة بالقحط. أما في مناطق أخرى، فقد يجد المزارعون فرصًا، كمواسم أمطار أفضل أو صقيع أقل شدة.
وتنتبه الحكومات ومؤسسات التنبؤ الجوي إلى هذه الظاهرة قبل مواسم الزراعة، لأن معرفة احتمال دخول عام نينيو تساعد في التخطيط للمحاصيل وإدارة السدود والمخزون المائي والاستعداد لصرف الموارد نحو المناطق الأكثر عرضة للجفاف أو الفيضان. ويُعد النينيو من الظواهر المناخية القليلة التي يمكن التنبؤ بها قبل أشهر، مما يجعل هذا الاستباق ممكنًا فعلًا.
كيف يراقب العلماء الظاهرة؟
يرصد العلماء حالة المحيط الهادئ على مدار الساعة عبر شبكة من العوامات الراسية في المحيط تقيس حرارة الماء على أعماق مختلفة، إضافة إلى أقمار صناعية تتتبع حرارة سطح البحر من الفضاء، وسفن وأجهزة قياس عائمة تجمع بيانات ميدانية. تُغذّى هذه المعلومات في نماذج محاكاة حاسوبية تتوقع تطور الظاهرة قبل أشهر من وصولها إلى ذروتها.
وتصدر المراكز المناخية الدولية تحديثات منتظمة تصف احتمال استمرار النينيو أو تحوله إلى حالة محايدة أو لا نينيا، مما يمنح القطاعات الحساسة للطقس، من الزراعة إلى إدارة الكوارث، وقتًا كافيًا للاستعداد. هذا النظام الرقابي يُعد من قصص نجاح التعاون العلمي الدولي، إذ لا يمكن لأي دولة منفردة رصد محيط بهذا الاتساع.
هل لإل نينيو علاقة بتغير المناخ؟
من الشائع الخلط بين الأمرين، لكن الجواب المختصر هو أن إل نينيو ظاهرة طبيعية قديمة قدم الرصد البشري للمحيط، وتكررت لقرون قبل أن يطرأ أي احترار بفعل الأنشطة البشرية. أما تغير المناخ الناتج عن انبعاثات الغازات الدفيئة فهو اتجاه طويل الأمد مختلف في طبيعته.
غير أن الاثنين يتفاعلان. فاحترار الكوكب يرفع الخلفية الحرارية التي تحدث فوقها دورة النينيو، ولذلك تتزامن أدفأ سنوات العالم على الإطلاق غالبًا مع أحداث نينيو قوية، إضافةً إلى أن المحيط الأدفأ يخزّن حرارة أكثر يطلقها الظاهرة في الغلاف الجوي. ويواصل الباحثون دراسة ما إذا كان تغير المناخ يغيّر وتيرة هذه الظاهرة أو شدتها، وهو سؤال مفتوح لا يزال العلم يعمل على تحديد إجابته بدقة أكبر.
ما الذي يفيد القارئ معرفته عمليًا؟
لأي شخص لا علاقة له بالعلم أو الزراعة، تبقى المعرفة بإل نينيو مفيدة في مواقف يومية. فإذا كنت تخطط لرحلة سفر، فإن معرفة طور المحيط الهادئ الحالي قد تساعدك في تصور شكل المطر والحرارة في وجهتك. وإذا كنت تعتمد على تنبؤات الطقس الموسمية للعمل أو الزراعة أو إدارة استهلاك الماء، فإن تقارير حالة النينيو تمنحك سياقًا يفسّر لماذا يتوقع الخبراء موسمًا جافًا أو ممطرًا أكثر من المعتاد.
والأهم من ذلك أن هذه الظاهرة تذكّرنا بأن طقس أي مدينة في العالم ليس جزيرة معزولة، بل حلقة في منظومة ضخمة تربط حرارة مياه بعيدة بالأمطار التي تسقط فوق حقولنا وبيوتنا. متابعة أخبار الظاهرة من مصادر الأرصاد الرسمية، لا من الشائعات المتداولة، هي الخطوة الأولى لفهم ما ينتظرنا في كل موسم جديد.
ظاهرة صغيرة الاسم كبيرة الأثر، هذا هو خلاصة قصة إل نينيو. فمن ملاحظة صيادين بيروفيين على ماءٍ دافئ قرب أعياد الميلاد، إلى شبكة عالمية اليوم ترصد نبض المحيط وتتنبأ بطقس القارات، تظل هذه الظاهرة شاهدة على الترابط العميق بين المحيطات والغلاف الجوي، وعلى قيمة العلم حين يحوّل ملاحظة بسيطة إلى فهم ينفع ملايين البشر.