مصرف يعرفه كل من مرّ بالميدان: قصة بنك مصر خارج دفاتر الحسابات

في أحد أيام يناير الماضي، وقفت امرأة ستينية أمام فرع بنك مصر بشارع قصر النيل، تمسك بكيس نايلون أبيض يضمّ ما يزيد على مئة ألف جنيه. كانت تحاول فتح حساب توفير لحفيدتها، لكنها لم تحضر بطاقة الرقم القومي. الموظفة الصغيرة أخرجت لها كرسياً بلاستيكياً، وطلبت صورة ضوئية من البطاقة من أحد جيرانها، ثم أتمّت الإجراءات. قبل أن ترحل، أمسكت الستّ بيد الموظفة وهمست: «ده أمانة جدّها لحد ما تكبر». لم يكن المشهد مجرّد خدمة عملاء؛ كان لحظة ثقة قديمة بين مصرف ومواطنين نشأا معاً.
يصعب فصل بنك مصر عن خريطة المدينة التي تغيّرت وتغيّر معها. تأسس عام 1920، في زمن كانت فيه «الشركة الشرقية للنقل والبريد» لا تزال تجر عربات الخيول في شوارع القاهرة، وكانت «البنك الأهلي» يحتكر التعاملات الكبرى. لم يكن تأسيسه مجرد فتح فرع جديد، بل بمثابة إعلان أن مصرفاً مصرياً يستطيع أن يجارى الأجنبي، بل ويمنح تمويلاً للمشروعات الصغيرة التي تخرج من المخازن إلى الشوارع.
في الأربعينيات، وقف طلاب جامعة القاهرة أمام فرع الجامعة الأصلي (الذي لا يزال شكله الآخِر قائماً بشارع قصر النيل) ليدفعوا رسومهم بالجنيه الورقي الجديد. كان البنك حينها «النافذة» التي ترى منها الدولة مستقبلاً مختلفاً: يمول قطاراً زراعياً إلى الصعيد، ويعطي قرضاً لصاحب معصرة زيتون، ويضع أول ماكينة صراف آلي في الإسكندرية عام 1981 لتصبح حديث أهل المقهى.
لكن ثمة طبقة أخرى من القصة لا تُروى في التقارير المالية. ارتبط بنك مصر، في ذاكرة كثيرين، بمفهوم «الضمان». ربما لأن والدك فتح حسابه الأول هناك عندما حصل على أول راتب بعد الضبطية، أو لأن والدتك كانت تضع نقود «صندوق الزواج» في درج التوفير، وكان ختم بنك مصر على الكشف يعني أن الأمور ما زالت تحت السيطرة. هذا الشعور لم يكن مجرّد حنين؛ فالبنك ظلّ، حتى في عزّ أزمات العملة، يحافظ على حسابات الموظفين الصغار بنفس العناية التي يعامل بها الشركات الكبرى.
في التسعينيات، ومع دخول البنوك الخاصة، ظهرت مقارنة لا تُقنع كبار السن: «البنك الجديد فيه نظام كمبيوتر سريع، لكن بنك مصر لما بتروح له بلاقي مدير الفرع بيسأل على أمي». هذا التناقض بين السرعة والوداعة لم يكن شعاراً تسويقياً؛ بل انعكاس لبنية إدارية تعود إلى زمن كانت فيه البنوك تعرف أصحاب الودائع بالاسم. ربما لهذا السبب، عندما أُطلقت خدمة الإنترنت البنكية عام 2005، كان كبار السن هم أوائل من حملوا «كود العميل»، رغم أنهم تعلّموا الكتابة على لوحة المفاتيح حرفاً حرفاً.
لكن بنك مصر لم يخلُ من التحديات. فتح حساب للشركات الناشئة مثلاً كان، حتى وقت قريب، يتطلب وثائق أكثر من تأسيس الشركة نفسها. ومع تضخم شبكة الفروع (يُفتح فرع جديد تقريباً كل شهرين)، أصبحت بعض الفروع أكثر انشغالاً بالأرقام من العلاقات. حتى الأيقونة الزرقاء القديمة التي زيّنت جدران البنوك منذ السبعينيات تغيّرت إلى شعار أكثر حداثة، ما أثار نقاشاً بين رواد التواصل: «اللوجو الجديد مافيهوش رائحة الماضي».
ومع ذلك، لا يزال بنك مصر يحتفظ بميزة لا تُقدّر بأرقام: القدرة على أن يكون «حاضنة» لأجيال متتالية. ففي فرع مدينة نصر، التقيت بمدير قال لي: «أنا خدمت 37 سنة، ولسه بلاقي أولاد اللي فتحت لهم حساب توفير وهما عيال صغار، جايين ياخدوا قرض عربية». هذه الدورة البشرية، التي يصعب قياسها في تقارير الربح والخسارة، هي ما يجعل بنك مصر أكثر من مصرف؛ إنه جزء من سيرة العائلات التي تغيّرت ظروفها لكنها لم تغيّر مكانها.
ربما لا يكون بنك مصر الأسرع في إنجاز الإجراءات، ولا الأقل رسوماً، لكنه يحمل شيئاً من طابع «الصندوق العائلي» في بلد يتغيّر بسرعة الضوء. حين تسأل أي مصرفي عن سر بقائه، يبتسم ويقول: «عندنا ودائع من 1956 لسه بتوزع عليها عوائد». هذه الجملة، البسيطة في ظاهرها، تحمل جوهر التجربة: أن الثقة لا تُبنى بالتكنولوجيا فقط، بل بالاستمرارية التي تعرف أن ورقة التوفير التي فتحتها جدتك قبل أن تولد قد تكون هي نفسها التي ستدفع مصاريف جامعتك.
في عالم تتغير فيه العملات الرقمية والمحافظ الإلكترونية، يبقى بنك مصر شاهداً على تقلّبات لم تُمحَ من الذاكرة بعد. فوق كاونتر «الصرف»، لا يزال الموظف ينادي على «الأستاذ فتحي» بالاسم، كأن الزمن لم يتحرّك كثيراً. وهناك، في ركن الانتظار، تجلس امرأة تحمل كيس النايلون ذاته، تنتظر دورها لتودع في حساب حفيدتها ما تبقى من أمانة الجد.
العلامات التحريرية

Source: HotArticle

Original link: https://www.hotarticle24.com/56fo8qi4

Recommended For You

El choque de dos realidades: cuando Platense se mide ante Fluminense

Cuando los clubes argentinos y brasileos se cruzan en torneos continentales, el marcador rara vez logra capturar la tota...

2026-10-02 10 views
Kaelen Culpepper: Guard for the Kansas State Wildcats Basketball Program

Kaelen Culpepper is a name that has appeared on Kansas State Wildcats men’s basketball rosters in recent seasons. A gua...

2026-09-05 5 views
Onda de calor: o que significa e como se proteger do calor extremo

Uma onda de calor no apenas um dia ensolarado e quente. O termo descreve um perodo em que as temperaturas sobem acima d...

2026-09-06 5 views
Lo que decimos cuando decimos Pachuca

Hay palabras que funcionan como puertas, y uno nunca sabe del todo qu va a encontrar del otro lado. En la Ciudad de Mxic...

2026-09-16 22 views
Quand le Japon se met en scène : pourquoi « Japon vs » devient notre nouveau miroir

Il y a quelques semaines, un ami m’a envoy un lien YouTube intitul Japon vs Italie : le duel des expressos . Je n’att...

2026-10-05 5 views