في شوارع أديس أبابا قبل بزوغ الفجر، رائحة ساحرة تملأ الأجواء، رائحة ليست بمستعارة أو دخيلة، بل هي عطر المكان الأصيل. هنا في إثيوبيا، حيث يُعتقد أن شجرة البن اكتشفت للمرة الأولى، تبقى القهوة أكثر من مجرد مشروب؛ إنها طقس يومي، وشاهد على تراث يستعصي على الاندثار، وجسر يتخطى اختلافات المجتمع الإثيوبي الغني بتنوعه العرقي والثقافي والديني. إنها نبض الحياة في "بلاد الجبال الحبيسة"، واحتفال يومي بالماضي والحاضر في آن واحد.
المشهد يتكرر في كل زاوية: امرأة تجلس على حافة رصيف، أمامها جبنة افريقية مستديرة صنعت من خزف أسمر، تضع فوقها حطباً صغيراً. يدها تطحن حبوب البن الخضراء بلطف مجدول بالصبر. الدخان يتصاعد، والرائحة تقوى، وحولها حلقة من رجال ونساء في انتظار فنجالهم. هذه جلسة "بونا" (Buna) التقليدية – طقس قهوة إثيوبي يحدث لي مرة، أو مرتين، أو ثلاثاً كل يوم. في طقوس القهوة الإثيوبية التفاصيل لها وزن ثقيل: البن يتحمص يدوياً أسفل الأرض، ثم يجرش في المدق وهو ساخن، حتى تتكون عجينة القهوة وتغلى في الجبنة. لكل خطوة توقيتها وآلاتها الخاصة، تتوارثها الأجيال.
ولكن طقس القهوة في إثيوبيا لا يتوقف عند التذوق المادي، فهي ثقافة للحاضر. هي اللحظة التي تتوقف فيها الحياة السريعة للمدينة الحديثة، حيث يمكن لجمع مثلي أن يتبادل الأحاديث بلا ضغط، ويُسوى نزاع قروي صغير، وتعانق روح المجتمع المتنوعة أطيافها. قوة طقس القهوة تكمن في قدرته الفائقة على استقطاب شرائح متباينة من المجتمع الإثيوبي؛ فهو يتخطى الإثنيات الكثيرة والانقسامات الدينية تحت مظلة من ثقافة متجذرة قدم جبالها. قوة روح المجتمع هنا في إثيوبيا – ليست في الحديث عنه بل في تجربته مباشرة، كوباً بعد كوب.
مع صعود المقاهي الحديثة الوافدة في مدن إثيوبيا، يطرح سؤال: هل يبقى التراث على قيد الحياة؟ للقهوة التقليدية هنا حضور عميق في النسيج الاجتماعي، إلا أن الوتيرة العصرية المتلاحقة أوجدت شريحة من الشباب يجزعون للفيوز الحضاري التقليدي، مستجيبين لإغرائيات مقاهي السلسلات العالمية التي تضفي أناقة أكثر من محتواها. هنا تخوض الجبنة الإفريقية معركة وجودية مميتة نادراً ما يحفل بها العالم الغربي. لذلك تزرع بعض المنظمات المحلية أنشطة توعوية – ورش عمل للمجتمعات الحضرية حول طقوس القهوة، داعمة لتراث محلي يخشى انطلاقه نحو الذهاب.
للزائر الذي ينظر إلى إثيوبيا بعيون متلقية، القهوة ليست معلماً جذبٍ تذكاري فقط، بل باباً معرفياً شديد الخصوصية، يتكشّف من خلاله جانب أصيل من الأخلاق الجمعية للشعب فيها. هنا في إثيوبيا، يُخبرك الجلوس مع أحدهم حول وعاء القهوة بأكثر مما تقوله جامعات علمية بأجهزتها المكلفة. تذوقك للقهوة، على طريقتهم، هو تذوق للحياة كما تعرفها الروح الإثيوبية، عميقة وتجذرية وغيورة على تراثها، وسط معاصرة تريد نفض الجذور. ورغم أنك كزائر قد لا تستطيع نقل الطقوس إلى بلدك، تبقى حجارتها الإفريقية خميرة تستوقد روحاً مثقلة بذاكرة المكان.
إثيوبيا: القهوة والتراث.. إيقاع الحياة في بلاد الجبال
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/56fo80v6