قليل من المدن في العالم تستطيع أن تنافس صنعاء في شعور الزائر بأنه يسير داخل متحف حي. في أزقتها الملتوية، بين جدرانها المبنية من الطين والحجر، يختلط صوت الباعة في الأسواق القديمة مع نسمات هواء تحمل رائحة البخور والقهوة. ليست هذه المدينة مجرد عاصمة لدولة، بل هي كتاب مفتوح يروي آلاف السنين من الحضارة.
ما يميز صنعاء القديمة حقًا هو تلك الأبنية الشاهقة التي تصل إلى سبعة أو ثمانية طوابق، والمشيدة بالطوب اللبن والجص الأبيض. واجهاتها مزينة بزخارف هندسية دقيقة ونوافذ ملونة تعرف باسم "القمريات"، والتي تضفي على المباني طابعًا سحريًا عند غروب الشمس حين تخترقها أشعة الذهب. هذه العمارة ليست فقط جميلة؛ إنها تعبير عن تكيف إنساني مع البيئة الجافة، حيث يعزل الطين الحرارة ويحافظ على البرودة في الداخل.
تاريخياً، كانت صنعاء مركزاً تجارياً مهماً يربط جنوب الجزيرة العربية بشمالها. ذكرت في النقوش السبئية القديمة، وظلت مأهولة دون انقطاع لأكثر من 2500 عام. في العصر الإسلامي، ازدهرت المدينة كمركز للعلم والفقه، ونشأت فيها المدارس القديمة والمساجد التي لا تزال قائمة حتى اليوم. أشهرها الجامع الكبير الذي يعود للقرن الأول الهجري.
السوق القديم في صنعاء ليس مجرد مكان لشراء السلع؛ إنه تجربة ثقافية متكاملة. في "سوق الملح" و"سوق النحاس" و"سوق البز"، لا تزال الحرف اليدوية تمارس بنفس الطرق التقليدية. صانعو الخناجر اليمنية (الجنابي) يطرقون الفضة بأيديهم، والنساجون ينسجون الملابس الصوفية الملونة، والعطارون يخلطون البخور والعود. هذه الأسواق تحافظ على نَفَس الحياة في المدينة.
لكن صنعاء ليست مدينة جامدة. هي مدينة حية تعاني من تناقضات العصر الحديث. الزحف العمراني خارج الأسوار القديمة غيّر شكل المدينة الجديدة، وأضاف ناطحات الزجاج والخرسانة. لكن الأهم هو التحدي المستمر للحفاظ على المباني الطينية التي تتطلب صيانة دورية بالطين والقش، وهي مهارة وراثية تتناقص مع الأجيال الجديدة.
في السنوات الأخيرة، زادت المخاطر التي تهدد التراث الصنعاني. النزاع المسلح ألحق أضرارًا ببعض المواقع التاريخية، كما أن الإهمال الناتج عن الظروف الاقتصادية جعل بعض المباني الأثرية عرضة للانهيار. منظمة اليونسكو أدرجت صنعاء القديمة على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر منذ 2015. ومع ذلك، لا يزال السكان المحليون يقاومون، ويحاول بعض المهتمين توثيق المباني والترويج للحرف التقليدية.
زيارة صنعاء، ولو عبر الصور أو الأفلام الوثائقية، تمنحك شيئًا نادرًا: رؤية مدينة لم تترك هويتها رغم كل التحولات. إنها ليست مدينة سياحية بمعنى الفنادق الفاخرة والمنتجعات، بل هي مكان لاستعادة الاتصال بجذور العمارة البشرية قبل أن تصبح الخرسانة هي السائدة.
بالنسبة للمسافر الحقيقي، صنعاء تقدم درسًا في الصمود. الجدران الطينية التي عمرها قرون لا تزال تقف شامخة، والوجوه التي تبتسم لك في الأزقة تحمل ملامح الضيافة العربية الأصيلة. ربما هذه هي الحكاية الحقيقية لصنعاء: مدينة لا تموت، رغم كل شيء.
صنعاء: عاصمة اليمن التي تحافظ على عبَق التاريخ
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/2vvo4kww