ثمة لحظة يتوقف فيها المرء أمام قطعة فخار عتيقة في متحف مزدحم، فيقرأ على اللوحة النحاسية «تعود إلى القرن الثالث عشر، وتحمل أصالة الطراز العباسي». ننظر باحترام، نلتقط الصور، ونحن نردد في قرارة أنفسنا: «هذا هو المعنى الحقيقي للأصالة». لكننا نغادر المتحف لنرتدي قميصاً مقلداً من علامة تجارية عالمية، ونتبنى آراء لم نفكر فيها بعمق، ونقضي المساء في محاكاة تعابير وصور أنتجها آخرون. هنا تحديداً يتجسد الانفصام: نقدّس الأصالة في الجماد، ونهرب منها في الأحياء.
المشكلة ليست في حبنا للجديد، بل في ذلك التحول الخفي الذي يجعل من المحاكاة سلوكاً مريحاً، ومن التعبير الذاتي ضرباً من المجازفة الاجتماعية. الأصالة هنا لا تعني التمسك الحرفي بالماضي أو ارتداء الملابس التقليدية في كل مناسبة، بل تعني القدرة على أن يكون صوتك الداخلي هو المصدر الأول لاختياراتك، حتى حين يبدو ذلك مناقضاً لما هو سائد. إنها استقامة داخلية لا تحتاج إلى تصفيق، وقد تكون تكلفتها أن يشعر المرء بالغربة وسط الجموع.
لنتأمل في طفل صغير يرسم سمكة بأجنحة. لا أحد أخبره أن السمكة تطير، لكنه لم يتعلم بعد أن «المنطق» يمنع ذلك. الأصالة هنا هي تلك المساحة غير المروّضة التي نولد بها، ثم تبدأ الثقافة والمؤسسات والأعراف في تقليمها بهدوء. يكبر الطفل، فيتعلم أن ثمة طريقة واحدة لرسم الوجوه، وطريقة واحدة للنجاح، وطريقة واحدة للسعادة. يصبح الخوف من الرفض هو الحارس اليقظ الذي يقف بين الإنسان واحتمالات نفسه.
ما يزيد الطين بلة أن العصر الرقمي لم يفرض علينا الرقابة بالقوة، بل أغوانا بطريقة أخفى: جعل من كل شخصية ناجحة نموذجاً للاستنساخ. لدينا الآن وصفات جاهزة للحياة: هذا ما يجب أن تأكله، هكذا يجب أن تبدو علاقتك العاطفية الناجحة، وهذه قائمة بالأشياء التي تثير شغفك هذا الأسبوع. نحن لا ننسخ منتجاً، بل ننسخ مشاعر مفترضة. وفي غمرة هذا الاستنساخ، يصبح البحث عن الأصالة فعلاً صامتاً للمقاومة. إنه يشبه أن تقرر أن تغمض عينيك وسط ضجيج بصري هائل، لا لتنام، بل لتتذكر ملامح وجهك الحقيقي.
كيف نمارس هذه المقاومة من دون أن نتحول إلى نسخة معكوسة من المتمردين النمطيين؟ البداية ليست في رفض كل ما هو شائع، فهذا بحد ذاته رد فعل موجه من الخارج، وليس نابعاً من الداخل. البداية الأعمق تكمن في إعادة تعلم السؤال: «هل هذا ما أريده فعلاً، أم أنني أريد أن أُرى وأنا أريده؟». إنها عملية شاقة تشبه تقشير طبقات من الطلاء تراكمت عبر سنوات. لا تعني التخلص من تأثير الآخرين تماماً، فالإنسان كائن اجتماعي، لكنها تعني استعادة حق الرفض والاختيار الواعي.
في عالم يعج بالنسخ، تصبح الأصالة ليست مجرد سمة فنية، بل شكلاً من أشكال الحرية الشخصية. إنها الإصرار على أن تكون قصتك غير قابلة للاختزال في منشور، وأن يكون طموحك غير مقولب في إعلان. حين نكف عن اعتبار الأصالة شيئاً يوجد هناك في المخطوطات القديمة، وندرك أنها ممكنة هنا، في هذا الصباح العادي، سنلتقط من المتحف شيئاً أثمن من صورة للقطعة الفخارية؛ سنلتقط إدراك أننا لسنا مضطرين لأن نكون نسخة طبق الأصل عن زمن لا يشبهنا، كي نكون حقيقيين.
حين تتحول الأصالة إلى فعل مقاومة صامت
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/2p6os8i4