كثيرٌ ممن يتابعون أخبار اليمن يربطونه بالصراع والاضطراب، لكن من يقف لحظةً في أزقة تعز القديمة يدرك أن القصة مختلفة تماماً. هنا، لا تكتفي الحياة بالاعتماد على العناوين الإخبارية، بل تتنفس عبر أصوات الأطفال وهم يلعبون أمام بوابات المنازل الحجرية، وعبر روائح البن العربي المتصاعدة من المقاهي الصغيرة، وفي صمت الجدران التي تحمل آثار قرون من البناء والعيش. تعز لا تُقرأ فقط بالأرقام والسلاسل الحدودية، بل تُحسّ بطرق عيش أهلها الذين يعيدون ترتيب أولوياتهم يوماً بعد يوم، ويحولون الروتين اليومي إلى شكل من أشكال المقاومة الهادئة.
يعرف البعض تعز تاريخياً باسم «باريس اليمن»، تسمية لم تأتِ من براعة المهندسين فحسب، بل من تراكم ثقافي وإداري جعل المدينة قطباً للمعرفة والحداثة النسبية مطلع القرن الماضي. حين شُدت الشوارع المخططة وطالعت الأسواق الحديثة، لم يكن الأمر مجرد تحديث مظهري، بل خطوة نحو نشر التعليم وتشكيل نخبة قضائية وإعلامية أسهمت لاحقاً في صناعة القرار الوطني. المدارس الأولى والمطباعات المحلية والمجالس الثقافية شكلت نسيجاً مجتمعياً أراده أهله أن يقود المسار، حتى في مراحل كان فيها الاستقرار الفكري أثمن من أي مورد خارجي.
ومع تغير المشهد الاقتصادي والأمني على مدى السنوات، لم تتوقف تعز عن أداء دورها الإداري والمالي الذي يجعل منها عماداً لحياة ملايين الأشخاص في الجنوب والجوار. فهي تستضيف مؤسسات قضائية عليا، وتدير حركة تبادل تجاري تربط الساحل بالمناطق الداخلية، وتشكل سوقها المركزي نقطة حيوية لتمرور السلع الأساسية التي تعتمد عليها مدن أخرى. ما يميز التجربة اليوم ليس الغياب الكلي للتحديات، بل قدرة السكان على تحويل اليقظة إلى ممارسة يومية: إصلاح الطرق الصغيرة بأيدي متطوعين محليين، تشغيل المحلات تحت إضاءة محدودة، تنظيم زيارات للأسر المتضررة، والاحتفاظ بمظاهر مثل الأفراح والمناسبات الدينية كجسر يمنع انقطاع التواصل الاجتماعي.
بالطبع، لا يمكن الحديث عن المدينة دون النظر إلى الثقل الحقيقي الذي تفرضه الأزمات الاقتصادية وطول أمد الحرب على ظهر كل أسرة. ارتفاع أسعار الغذاء، وفترات انقطاع الكهرباء الطويلة، وتعقيد التنقل بين الأحياء بسبب الحواجز أو سوء البنية التحتية، كلها معطيات يعيشها المواطنون بشكل مباشر. لكن الدرس الذي تقدمه تعز للعاملين في الشأن العام لا يكمن في المثالية، بل في الواقعية التطبيقية: كيف تحافظ على كرامة العمل اليومي حين تبدو المستقبلات ضبابية؟ وكيف تبني شبكات دعم محلية عندما تتراجع الخدمات الرسمية؟ الإجابة تكمن في التفاني المجتمعي نفسه، الذي يحول كل أزمة فرعية إلى فرصة لإعادة ترتيب الأولويات وترسيخ قيم التضامن الداخلي بدلاً من انتظار الحلول المركزية.
ربما يكون هذا هو السر الحقيقي وراء بقاء تعز محورية في الوعي الجمعي: ليست لقوتها اللوجستية أو موقعها فحسب، بل لأنها تمثل نموذجاً لطريقة تعامل الإنسان مع الأرض حين تتحول الظروف إلى اختبار متواصل. المدينة لا تنتظر معجزة خارجية لتعيد بناء نفسها، بل تعتمد على يد كل من يحمل أداة عمل أو كتاباً أو سلة محتويات، على أمل أن يبقى الأمل شيئاً قابساً للمس وليس كلمة تُلقى في خطابات بعيدة عن الواقع.
تعز.. ليست مجرد اسم على الخريطة، بل مقياس لواقع اليمن
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/2p6os7ki