لم يعد ممكناً تخيل المشهد الفني المصري المعاصر دون مسلسلات تعالج سطحيات الحياة بألوان الزهو البصرية فقط، بينما يلوح في الأفق ندرة أعمالٍ تعيد إقامة جسورنا مع أكثر المشكلات إنسانيةً تعقيداً. هنا يأتي مسلسل "مازلت في السابعة عشر" ليعيد السيناريو الخارج عن المألوف إلى الواجهة، متخذاً من الحالات النفسية المجروحة في طفولتهم عرضاً درامياً صادماً وحقيقياً، خارج أطر الحلول السحرية والضحكات الجاهزة.
تأتي بقوة المستفز الواقعي هنا من بنية العنوان نفسه: عتبة "مازلت" تشير إلى حالة تستمر في سنوات متأخرة، تشبه مفردة تتكلم عن بقايا طفولة مجروحة لم تجد علاجاً نفسياً حقيقياً، نتج عنها تعثر درامي في حياة مهنية وحميمية أيضاً. لقد جاء اختيار عنوان المحتوى نافذاً لتحديد الإشكالات مبكراً قبل اندفاع الإيقاع السريع الذي يفسده عديد الأعمال الشعبية سلفاً.
إن الأمر يتخطى الترفيه هنا بمسافات، ليطال الاستبصار الإنساني في قبضة ظواهر نفسية هاجت ومددت كوابيسها الباردة عبر فترات متباعدة. ورغم هشاشة بنيته الدرامية في القص الشخصي أحياناً، نجح المسلسل في معالجة معاناة استحواذ الراشدين على هيمنة مخاوف طفولية عالقة، باعتماده اللقطات المضطربة التي تترجم التوتر دون حوارية تبسيطية صارخة أصلاً. وقد كشف بوضوح أن تجاهل ويلات الماضي سيبني اضطرابات أكثر مزاجية في وقت لاحق، سيكلف المرء برودة حياته كلها لو أخيراً دون كسر تلك الجلدة المتكلسة.
قوة التمثيل المرتكزة على إيماءات نادر نور الدين تخلّق حالة بعد حالة لعملية تشريحها صراعياً: نرى حركات يديه المرتبكة، انكسار صوته في تعابير قابلة للفرم، انعكاسات أشباح محيطه على وضعيات جلوسه. ثم تأتي المجموعة الأخرى من الشخصيات دون شطف تعسفي للتلقين الدرامي أو المساعي السردية المفتعلة. فربما كانت ثمة طبيعة لعلاقات قليلة في محتوى المسلسل متهالية في مرحلتها المقدمة سريعاً، لكنّ المكونات الرئيسية لمعالجة خط الضرر النفسي للشخصية المحورية كادت تنكشف في أكمل هيئاتها الفذّة.
أمّا تقانة الصورة فقامت من خارج جدران الاستيديو المنمقة لتدخّل المشاهد إلى عزل مناخي فيزيائي يقارب ما يحبط الروح في الداخل: ظلال مشوهة تتحرك في أجنحة البيت، ضوء شاحب يبرز الحركة النفسية للمكان في إطار معاصر منساب بتوازن مدهش في زمانين، ماض ٍ وحاضر، دون ركض مدمر نحو حلول مصطنعة. حتى الخراب البعيد في مشاهد شارع القاهرة ترجّمته التوليفة المتناغمة للموسيقى والإضاءة بحرفية تشعرك بِوَقْع الجرح المفتوح داخل الحيّز العمومي والحميمي معاً. يمكن القول أن التحرر من سندات العمومية التي قدّمها مخرجه أثره في ترجيح كفة المصداقية في التعبير الشائف عن صدمات تعجز عن الكلام أحياناً.
لم تفلت تلك الصباغة من بعض عيوب في تقعيد النهايات الفرعية أحيانا وتجاعيد واضحة في اختصار ملفات نفسية لم تنتهٍ إلى أوضح حَلّ، وإن تضافرت التفاصيل الكبرى لتحاول تصويب الوضع بطمأنة لائقة. في مجملها اتكأت صورة الكيف على تلك الصادمة بطبيعتها والتي تنهي رمادياً عبقرياً يزكم التداعي المفرط الملقي دون إحياء مكتمل لأنه لا يحتاج سوى إلى حين انتقال أساسي من كلمة إلى شفافية تعترف بالجرح فقط. الأمور هنا تزرع عصاً في العتمة الباقية وتقول: المطلوب هو مواجهة ما تأخر، فالخروج من المنطقة المريحة للتأمل أصعب ولكنه العلاج الأمثل للمتلاشي المُستعر بالخزي الذي يتبع البشر سنواتهم الزائفة منذ الصغر. فمسلسل أبى أن يبقى في المستوى التبسيطي الواحد وانفتح على مستويات التطرق المتأني يوصل رسالته الجوهرية المتفردة في عصر كان يحتاجها أكثر من أي وقت مضى.
في ظل "مازلت في السابعة عشر": تعرية الجروح الماضية بصدق ساحر
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/2p6o9y4q