عندما تشاهد مباراة كرة قدم، من الطبيعي أن تنجذب عيناك نحو المهاجم الذي يحتفل بهدف، أو الجناح الذي يراوغ ثلاثة مدافعين. لكن عشاق اللعبة الحقيقيين، أولئك الذين يقرؤون الملعب كما يقرؤون كتاباً مفتوحاً، ينظرون إلى مكان آخر تماماً. ينظرون إلى المساحات الفارغة في منتصف الملعب، حيث يتحرك لاعب لا يتوقف أبداً، يعيد ترتيب الفوضى، ويوزع الكرات بدقة جراح قبل أن يدرك الخصم ما يحدث. هذا هو العالم الذي يتقنه مارسيلو بروزوفيتش.
في عصر كروي تهيمن فيه الأرقام الهجومية وتسجيلات الأهداف على العناوين الرئيسية، يمثل بروزوفيتش نموذجاً للاعب الذي تُقاس قيمته بما يمنع حدوثه بقدر ما يُقاس بما يصنعه. هو ليس اللاعب الذي سيظهر في لقطات الإعلانات التجارية وهو يراوغ بحركات استعراضية، لكنه اللاعب الذي سيجعل كل من حوله يبدون أفضل.
لفهم عبقرية بروزوفيتش، يجب أولاً تفكيك الفكرة الشائعة عن لاعب الوسط المدافع. الكثيرون يختزلون هذا الدور في الاعتراضات البدنية والالتحامات القوية. لكن الكرواتي الدولي أعاد تعريف هذا المركز بمزيج نادر من اللياقة البدنية التي لا تنضب والذكاء التكتيكي الفطري. عندما يركض بروزوفيتش، وهو يقطع مسافات تتجاوز 12 كيلومتراً في المباراة الواحدة بانتظام، فهو لا يركض عشوائياً. كل خطوة يحسبها لسد ثغرة، أو لفتح زاوية تمرير، أو لسحب مدافعي الخصم خارج مواقعهم. إنه "الميترونوم" الذي يضبط إيقاع فريقه، يسرع اللعب حين يتطلب الأمر، ويهدئه حين تحتاج المجموعة لالتقاط الأنفاس.
تجلى هذا التأثير بأبهى صوره خلال سنواته الذهبية مع إنتر ميلان. تحت قيادة مديرين فنيين مختلفين مثل أنطونيو كونتي وسيموني إنزاجي، كان بروزوفيتش هو الثابت الذي لا يتغير. لم يكن مجرد قطعة في منظومة تكتيكية، بل كان النظام نفسه. عندما يتلقى الكرة من قلبي الدفاع، تتحول وضعية الفريق بأكمله من الدفاع إلى الهجوم. تمريراته الطويلة التي تخترق خطوط الخصم، وقدرته على اللعب تحت الضغط العالي، كانت المفتاح الذي فتح خزائن البطولات للإنتر، بما في ذلك لقب الدوري الإيطالي الغائب والوصول إلى نهائي دوري أبطال أوروبا.
وعندما انتقل إلى النصر السعودي، توقع الكثيرون أن يكون الانتقال مجرد محطة أخيرة مريحة مالياً، لكن ما حدث على أرض الملعب أثبت العكس. في دوري يمتاز بالسرعة والانتقالات الهجومية السريعة، أصبح بروزوفيتش نقطة التوازن الحيوية. اللعب بجوار نجوم يميلون للهجوم مثل كريستيانو رونالدو وساديو ماني يتطلب لاعباً يغطي المساحات الشاسعة التي يتركونها خلفهم، ويوفر لهم الكرة في الأوقات والمكان المناسبين. لقد جلب معه الانضباط التكتيكي الأوروبي، ورفع من مستوى المنافسة في وسط الملعب، ليثبت أن جودة اللاعب لا تتغير بتغير الجغرافيا.
ما يميز مسيرة بروزوفيتش هو الإخلاص لفن "العمل الخفي". هو اللاعب الذي يتلقى التمريرة الصعبة في منطقة مزدحمة، يدير جسده بحركة واحدة، ويطلق هجمة مرتدة بلمسة بسيطة لا يلتفت إليها المعلقون، لكنها تمهد الطريق لهدف بعد ثلاث ثوانٍ.
في نهاية المطاف، تذكرنا مسيرة مارسيلو بروزوفيتش بحقيقة جوهرية في كرة القدم: البريق يجذب الجماهير، لكن الأساسات المتينة هي ما يبني البطولات. وطالما كانت هناك مساحات تحتاج إلى من يملؤها، وعقول تحتاج إلى من يوجهها، سيبقى اسم الكرواتي محفوراً كواحد من أذكى وأنشط لاعبي الوسط في تاريخ اللعبة الحديث.
عقل وقلب الوسط: كيف صنع مارسيلو بروزوفيتش مجده في المساحات التي لا يراها أحد
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/2miolqi4