"الصلاة جامعة".. عبارة تتردد قبل آذان الجمعة في بيوت المسلمين، كأنها دعوة صامتة تسبق النداء العلني. الأذان ليوم الجمعة ليس مجرد إعلان عن دخول وقت الصلاة، إنه إيقاع زمني مقدس يرتبط بأعظم يوم في الأسبوع عند المسلمين، وفيه سرٌّ من أسرار الاجتماع والوحدة.
يوم الجمعة هو اليوم الذي خصَّه الله تعالى في القرآن، وجعل صلاته فريضةً على كل مستطيع. الأذان هنا يتجاوز كونه إشعارًا زمنيًا، فهو تحضير للقلوب والجماعة معًا. النداء ذاته يتغير في بعض البيوت الإسلامية، فيؤذن لهذا اليوم بآذانين لا آذان واحد، في سوريا وفلسطين ومصر قديمًا، قبل أن يأخذ شكلَه الموحد المعمول به في معظم الأرجاء اليوم.
الأذان الأول: تذكرة الرحيل:
يقول أحمد، عميد خطباء مسجد قديم في القاهرة: "الأذان الأول في الجمعة كالمنادي البعيد.. لا يقول لك عُد الآن، بل يذكرك أن الوقت يدنو استعد". هذا الأذان ردَّة فعل على انشغال الناس، فهو يمهد النفوس للتجمع، كدعوة قبل الدعوة، فيها هيبة الجمعة قدومًا. الأصوات التي كانت ترتفع قبل الأذان زمن صلاح الدين، تظهر حكمة تراعي رحيل الناس المنشغلين في الأسواق، وتجمعهم في المساجد الرحبة رويدا رويدا، فتصير الصلاة جامعة شملًا.
مراحل الأذان الموحد:
ما يسمى بالأذان المزدوج اليوم، تجاوزه كثير من المجتمعات، لكنه ليس انعدامًا للعرف بل تطوراً بدلالته. فأذان الجمعة الموحد في أكثر البلاد يجهر به بدفعة أكفأ، عبر مكبرات الصوت التي تحرر صوت المؤذن من الحاجةٍ إلى الاستعانة بغرّة ثانية قبل الصلاة. الأذان الثاني الذي كان يُندى به في المسجد عند قدوم الخطيب دليل، فاستعمال التكنولوجيا سدَّ شرط النداء الجمعي بيسر، وأزال حاجة التنظير بين صومعتي المئذنة.
منبر الشام بياذانيه:
"وعي الشارع العربي نحو صلاة الجمعة يختلف"، تحكي الباحثة زينب في دراسة عن عادات الصلاة، حيث تذكر عادة الشام بعينيها – القدس ودمشق – في إبقاء الأذانين إلى اليوم. الأمر يتجاوز كونه استمراراً للفظرية التقنية، بل هو محاولة للتمسك بآذان من خطبتين، فيه رمزية راسخة تذكر بوقار الاجتماع الأول للمسلمين تحت الخليفة الراشد. فأول الأذانين تحضيري، نذير باستثنائية الموقف، والثاني هو إيذان بالبدء الحقيقي للصلاة، كأن الناس يُمْلُون على غيرهم أمر قدومهم فواجب التبجيل.
النفوس الجامعة:
خبرة جمعة دون صوت أذان هي بكاء مطرزة. ادنُ صباح الجمعة وقدوم المؤذن لإرانية الأجراس الجوية، حتى في أجمل التشكيلات، طعم دون صوت مؤذن الجمعة خافقٌ. إن المحتوى الديني الذي يحتويه النداء يتجلى أشده يوم الجمعة: "حي على الصلاة"، تعبوا عزيمة وسترة؛ "حي على الفلاح"، فلاح الآخرة متوقفٌ عن ركعتين بين يد الله. التأذين بعمقها روحانيٌّ يحرر أرواحاً من الغفلة، ويشيدها في بيت واحد.
اذان الجمعة هو نسيجٌ من رحمات الله، حبل متين يجمع المؤمنين في سجادة صلاة واحدة. نداؤه هو لغة الرجاء والعودة، تنفذ خلال زمان صدئ، وتميث الزمن في آذان الخاشعين، وتجتازه ليتنفس مكانًا أكبر.. فإذا بالروح والخالق واحد، تعانقهم آذان صداح لا تخشى البحر بعُمقها.